«فواتير الكهرباء» بين الدعم والعبء: المواطن اللبناني في مواجهة الغموض والارتفاع
يشهد الشارع اللبناني حالة واسعة من الغضب والقلق بعد الارتفاع الملحوظ في فواتير الكهرباء خلال الشهرين الأخيرين، في وقت يرزح فيه المواطن تحت أثقال أزمة اقتصادية غير مسبوقة أنهكت قدرته على الصمود. فاللبناني الذي تراجعت مداخيله الفعلية إلى مستويات متدنية، وتآكلت مدخراته بفعل الانهيار المالي، يجد نفسه اليوم أمام فاتورة كهرباء تشكل عبئا إضافيا يقتطع جزءا كبيرا من دخله المحدود، في ظل غلاء معيشة يطال الغذاء والدواء والتعليم والمحروقات وسائر الخدمات الأساسية.
هذا الارتفاع لم يأتِ في سياق تحسّن جذري ومستدام في الخدمة يوازي الكلفة المفروضة، بل ترافق مع تساؤلات جدّية حول آليات التسعير المعتمدة من قبل مؤسسة كهرباء لبنان، وطريقة احتساب الفواتير، وسعر الصرف المستخدم في الجباية، إضافة إلى مدى وضوح البنود المدرجة ضمن الفاتورة. وبين من يعتبر أن زيادة الفاتورة تعكس ارتفاعا في ساعات التغذية وبالتالي استهلاكا أكبر، ومن يرى أن ما يحصل يتجاوز منطق الخدمة مقابل الكلفة ليصبح عبئا غير متناسب مع مستوى الدخل.
المعاناة لا تقف عند حدود الرقم المسجل في الفاتورة، بل تمتد إلى شعور عام بعدم اليقين: هل تم احتساب الاستهلاك على فترة أطول من شهر؟ هل انتقل المشتركون تلقائيا إلى شرائح أعلى من دون توضيح كاف؟ وهل هناك رسوم أو فروقات ناجمة عن تقلبات سعر الصرف؟ هذه الأسئلة تتكاثر في ظل غياب تواصل تفسيري واضح ومباشر يبدّد الهواجس.
وفي بلد يعاني من ضعف الثقة بالمؤسسات وتراجع الخدمات العامة، يصبح أي ارتفاع في كلفة خدمة أساسية كالكهرباء مسألة تتجاوز الحسابات التقنية، لتلامس صميم الاستقرار الاجتماعي.
من هنا، لا يقتصر النقاش على تفسير أرقام، بل يتصل بحق المواطن في الشفافية، وفي معرفة كيفية احتساب ما يدفعه، وفي ضمان عدالة التسعير بما يتناسب مع الواقع المعيشي الصعب. وفي ظل هذه الظروف، تبدو الحاجة ملحّة إلى توضيحات رسمية شاملة تعيد ضبط النقاش على أسس واضحة، وتقدم أجوبة دقيقة تضع حدا لحالة القلق المتنامية في الشارع اللبناني.
ارتفاع فواتير الكهرباء: تغذية أكثر أم تعرفة ثابتة؟
وعن الأسباب الأساسية التي أدّت إلى ارتفاع فواتير الكهرباء في الشهرين الأخيرين، تقول مصادر كهرباء لبنان عبر «اللواء» إنه «لم يتم أي التعديل على التعرفة التي تم إقرارها في خطة إصلاحية متكاملة بالتنسيق مع البنك الدولي. وارتفاع قيمة الفاتورة هو زيادة التغذية التي تنعكس حكما على الاستهلاك لدى المشتركين».
وعن سعر الصرف المعتمد حاليا في إصدار الفواتير، ترى المصادر نفسها أن «سعر الصرف المعتمد قيمته 89,500 ليرة لبنانية وفقا لسعر الصرف الصادر عن مصرف لبنان مع اعتماد سعر صيرفة».
الفاتورة تحت السيطرة؟
وفي سياق متصل، توضح المصادر أنه: «هناك زيادة في ساعات التغذية، وطبعا ذلك سينعكس على زيادة الاستهلاك من قبل المشتركين. أما بالنسبة إلى قيمة الفواتير، فإن المواطن يستفيد من الدعم الشهري بما أن سعر مبيع الكيلواط/ساعة بالتأكيد أقل من سعر مبيع المولدات للكيلواط/ساعة للمواطنين والشركات الخاصة. ويتم احتساب أول 100 كيلواط/ساعة بـ10 سنتات، وما زاد عنها بـ27 سنتا. وحتى وإن كان الإصدار على شهرين أو ثلاث، فالمواطن حقه محفوظ ولا يتحمل أعباء مالية إضافية».
من وَراء الفاتورة؟
وتتابع مصادر كهرباء لبنان: «أما فيما يخص التدابير المتخذة لتفادي الأخطاء في قراءات العدادات، فقد جرى الطلب من شركات مقدّمي الخدمات الإيعاز إلى الجباة تدعيم مستنداتهم من خلال تصوير عدادات المشتركين، واستعمال تطبيق خاص بالجباية (Application) للحد من الأخطاء».
وتضيف: «في حال الشك من قبل المواطن بقيمة الفاتورة أو بصحتها، يمكنه مراجعة قسم الجباية في الدائرة المعنية وفق النطاق الجغرافي للاشتراك، أو الاتصال بمركز الاتصالات (Call Center) الخاص بشركة مقدّم الخدمات المعنية والإبلاغ عن الشكوى، ليصار إلى معالجتها وإفادته بالنتيجة».
هل يحمي الدعم ذوي الدخل المحدود؟
في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع كلفة المعيشة، تتزايد المطالب بمراعاة أوضاع ذوي الدخل المحدود في تسعير الخدمات الأساسية، وفي مقدّمها الكهرباء. وعليه، يُطرح السؤال حول ما إذا كانت المؤسسة تدرس إجراءات لتخفيف العبء أو إعادة النظر في شرائح الاستهلاك بما يحقق قدراً أكبر من العدالة الاجتماعية.
وعليه، تشرح مصادر كهرباء لبنان أنه: «منذ إقرار التعرفة الجديدة وبالتنسيق مع البنك الدولي، تم الأخذ بعين الاعتبار مراعاة الاعتبارات الاجتماعية بهدف دعم ذوي الدخل المحدود وتعزيز العدالة الاجتماعية. إذ تتضمن التعرفة شريحة مخفّضة لأول 100 كيلواط/ساعة بسعر 10 سنتات أميركية لكل كيلواط/ساعة، بما يساهم في تخفيف العبء المالي. كما قامت مؤسسة كهرباء لبنان باتخاذ إجراءات إضافية داعمة، أبرزها إلغاء رسم التأهيل، وذلك في إطار الحرص على مراعاة الظروف الاقتصادية».
في الخلاصة، رغم كل التصريحات والتوضيحات الرسمية، يبقى المواطن اللبناني الأسير الأول لتقلبات فواتير الكهرباء وغلاء المعيشة، محاصرا بين دعم محدود لا يكفي لتغطية حاجاته الأساسية، وعبء مالي متصاعد يثقل كاهله يوميا. فبين ارتفاع الأسعار، وضبابية احتساب الفواتير، وتقلبات سعر الصرف، يجد المواطن نفسه أمام معادلة صعبة لا تتعلق فقط بالأرقام، بل بالقدرة على الصمود والحفاظ على حياة كريمة وسط أزمة اقتصادية مستمرة.