الأمن الغذائي في لبنان: بين وفرة اليوم وغموض الغد.. كيف تواجه الأسواق الحرب والأسعار المتقلبة؟
في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه لبنان اليوم، تبرز قضية الأمن الغذائي كواحدة من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للمواطنين والسلطات على حد سواء. فبينما تؤكد التصريحات الرسمية توفر المواد الغذائية الأساسية في الأسواق، يظل الحديث عن ارتفاع الأسعار ونقص بعض السلع في بعض المناطق يقلق الرأي العام. هذا التباين بين الواقع المعلن والملاحظ في الأسواق يطرح أسئلة مهمة: إلى أي حد تعكس البيانات الرسمية حقيقة الوضع؟ وما الإجراءات المتخذة لضمان استمرارية الإمدادات وحماية المستهلك في ظل الحرب القائمة والقيود على الاستيراد والنقل؟
وتزداد أهمية هذه التساؤلات مع الأخذ في الاعتبار الظروف الخاصة بالمناطق البعيدة أو غير الآمنة، حيث تصبح كلفة إيصال السلع أعلى بكثير، ويصعب الحفاظ على استقرار الأسعار، ما يجعل جزءا من السكان أكثر عرضة لتقلبات السوق. ومن هنا، يصبح الدور الرقابي واللوجستي للتجار والسلطات الحكومية ضروريا، ليس فقط لضمان توافر السلع، بل أيضا للحفاظ على استقرار الأسعار ومنع أي استغلال من قبل ما يعرف بـ»تجار الأزمات»».
بين الوفرة المعلنة وقلق الأسواق
على الرغم من التصريحات الرسمية التي تؤكد توافر المواد الغذائية في الأسواق اللبنانية، يتردد في الأوساط الشعبية حديث عن نقص في بعض السلع الأساسية. فإلى أي مدى يعكس هذا الكلام الواقع؟ وما هي الإجراءات المعتمدة لضمان استدامة توافر هذه المواد في ظل الأوضاع الأمنية والاقتصادية الراهنة؟
في هذا السياق، يوضح رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية، هاني بحصلي، في تصريح لصحيفة «اللواء»، إن «جميع المواد الغذائية متوافرة وبكميات كافية في الأسواق. وهذا لا يعني أننا في وضع مثالي أو بمنأى عن المخاطر، إلا أن الإمدادات لا تزال مستمرة، وكل الطلبات يتم تلبيتها من قبل التجار».
ويشير بحصلي إلى أن «التوزيع يقتصر بشكل طبيعي على المناطق الآمنة، في ظل الظروف الأمنية الحالية، لافتا إلى أن المناطق غير الآمنة تتأثر بالحرب الدائرة، ما يعيق وصول السلع إليها. إذ انه حتى الآن، لا يوجد أي إشكال يذكر فيما يتعلق بنقص المواد الغذائية».
الأسعار بين الأرقام والواقع
أما فيما يتعلق بالحديث عن ارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية بنسبة تتجاوز 30%، فيعتبر بحصلي أن «هذه الأرقام غير دقيقة، قائلا: أتمنى أن يقدّم أحد دليلا على هذا الارتفاع، لأن هذا الرقم مبالغ فيه. وإذا ثبت أن أحد التجار يرفع الأسعار بهذه النسبة، فيجب إحالة الأمر فورا إلى وزارة الاقتصاد».
ويتابع: «الضغوط على الأسعار موجودة، لكنها تبقى ضمن حدود طبيعية، موضحا أنها تنبع من عوامل داخلية، أبرزها ارتفاع كلفة المحروقات وما يرتبط بها من نفقات التخزين والإنارة، والتي تساهم وحدها بنسبة تتراوح بين 5 و6%. إلى جانب العوامل الخارجية التي قد تؤدي إلى بعض الارتفاع في الأسعار، إلا أنها تندرج ضمن المعدلات المقبولة».
الأسعار على إيقاع الجغرافيا؟
وحول مسألة التلاعب في السوق أو احتكار بعض السلع الأساسية، يوضح بحصلي أن «البلاد تمرّ بظروف حرب، ما قد يفتح المجال أمام البعض للاستفادة من الأزمات، وهؤلاء يعرفون بتجار الأزمات. إلا أن هذه الممارسات لا تنتشر في المناطق الآمنة، حيث تلعب المنافسة دورا أساسيا في ضبط الأسعار، حيث الأسعار باتت مكشوفة أمام الجميع، إذ يمكن لأي مستهلك الاطلاع عليها بسهولة عبر المواقع الإلكترونية الخاصة بالسوبرماركت، ومقارنتها، لا سيما في ما يتعلق بالزيوت والحبوب والمعلبات».
وفي سياق متصل، يشرح أن «الواقع يختلف في المناطق البعيدة وغير الآمنة أو تلك المعزولة بفعل الحرب، حيث تصبح كلفة إيصال السلع أعلى بكثير، فضلا عن المخاطر المرتبطة بعملية النقل. هذه العوامل تنعكس حكما على الأسعار، حيث أن ارتفاعها في هذه المناطق يعّد، للأسف، أمرا طبيعيا في ظل الظروف الراهنة، ولكنه لا يلامس الأرقام التي تم الحديث عنها».
الأمن الغذائي: بين اليوم والمجهول
وفيما يتعلق بالخطط والاستراتيجيات القصيرة والطويلة الأمد لضمان الأمن الغذائي في لبنان، خصوصا في ظل استمرار الأوضاع الأمنية والحرب القائمة وتأثيرها على الاستيراد والإمداد، يختم بحصلي: «الوضع الحالي يفرض علينا العمل تحت شعار «كل يوم بيومه» أو «كل وقت بوقته». وفي الوقت الحاضر الإمداد موجود، ولن يكون هناك أي تعدّ على البنى التحتية الحيوية، وبالتالي لا داعي للتفكير أبعد من ذلك. أما في حال إقفال مرفأ بيروت أو مطار بيروت، فلن تكون هناك بدائل كثيرة، لكن يمكننا القول إن البضائع متوافرة وبكثرة، وتغطي احتياجات الأشهر الثلاثة المقبلة وما بعدها يرتبط بتطورات الأحداث».