أين أصبح قرار الـ6 رواتب الإضافية؟

أين أصبح قرار مجلس الوزراء القاضي بمنح موظفي القطاع العام، بمختلف أسلاكهم، والمتعاقدين، ستة رواتب إضافية، مع كامل متمماتها للعسكريين، اعتباراً من الأول من آذار الماضي؟

وهل قبض موظفو القطاع العام والعسكريون والمتقاعدون هذه الزيادة، في ظل الحرب الإسرائيلية على لبنان، حيث انصبّ اهتمام الحكومة على مواجهة تداعيات النزوح وتأمين مستلزماته؟

رئيس رابطة موظفي الإدارة العامة وليد جعجع ينفي لـ«الديار» أن يكون الموظفون قد تقاضوا هذه الزيادة، في وقت بدأت فيه الحكومة فعلياً جباية الرسوم والضرائب التي فُرضت لتأمين كلفة القرار، والتي تُقدَّر بنحو 800 مليون دولار، وذلك عبر الإجراءات الآتية:

-زيادة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، مع إلغاء الرسم المحتسب سابقاً على مادة المازوت.

-تصحيح الرسم الذي كانت تستوفيه الخزينة على المستوعبات، بحيث يعود إلى ما كان عليه، أي ما يوازي 50 دولاراً على المستوعب بحجم 20 قدماً، ونحو 80 دولاراً على المستوعب بحجم 40 قدماً.

-رفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 12% بدلاً من 11%.

وكان قد تقرر، تفادياً لأي خلل اقتصادي أو نقدي، أن تُدفع هذه الرواتب الإضافية بعد صدور قانون زيادة الضريبة على القيمة المضافة، وقانون فتح الاعتمادات الإضافية اللازمة.

وبذلك، فإن تنفيذ قرار الحكومة بقي عملياً معلّقاً على إقرار مجلس النواب قانون رفع الـTVA، وهو ما لم يحصل حتى الآن، خصوصاً في ظل اعتراض عدد من النواب على هذا التوجه ورفضهم الموافقة عليه. إلا أن ذلك لم يمنع الحكومة من المضي في الزيادة على سعر صفيحة البنزين.

في المقابل، تبدو كلفة النزوح كبيرة جداً، في ظل وجود أكثر من مليون لبناني خارج منازلهم، ما دفع الحكومة إلى تركيز جهودها على تلبية الحاجات الأساسية للنازحين، وإطلاق نداءات للمساعدة استجابت لها دول وجمعيات ومؤسسات عدة.

وكان مجلس الوزراء قد لحظ لاحقاً أن تؤدي الزيادة الناتجة عن تحسين رواتب العاملين في الخدمة والمتقاعدين إلى رفع القيمة الفعلية للرواتب إلى حدود 50% مما كانت عليه قبل الأزمة الاقتصادية، وذلك بمهلة أقصاها نهاية شهر آذار الحالي، مع تكليف الوزارات المختصة والإدارات والأجهزة الأمنية والعسكرية تعزيز جباية الإيرادات المشار إليها.

لكن، وسط الظروف المفاجئة التي فرضتها الحرب، يبدو أن الزيادة التي وُعد بها موظفو القطاع العام قد تبخّرت عملياً، بعدما كان يفترض قبضها مع بداية شهر آذار. واليوم، لا صوت يعلو فوق صوت الحرب، فيما تراجعت كل الملفات المعيشية إلى الخلف.

في هذا السياق، ماذا يقول رئيس رابطة موظفي الإدارة العامة وليد جعجع عن مصير هذه الزيادة، وما هي الخطوة المقبلة للموظفين الذين ناموا على وعد تحسين أوضاعهم، ليستيقظوا على وقع الحرب؟

جعجع لـ«الديار»: لم نقبض شيئاً

• هل قبضتم الزيادة التي أقرها مجلس الوزراء؟

لا، لم نقبضها.

• ألم يكن من المقرر قبضها مع بداية شهر آذار؟

لقد وقعت الحرب، وارتفع سعر المحروقات وكل شيء في البلد، وفي النتيجة لم نقبض شيئاً.

• هل من الممكن أن تعودوا للمطالبة بزيادة على الرواتب؟

نحن لم نقبض شيئاً أصلاً كي نعود ونطالب. لا نزال على الراتب القديم.

• لكن مجلس الوزراء أقرّ الزيادة على أساس قبضها مع بداية آذار؟

أين هي هذه الزيادة؟ لم نقبض شيئاً حتى الآن.

• كيف ستتصرفون إزاء ذلك؟

سنعود للمطالبة حتماً فور انتهاء الحرب. ومع موجة الغلاء الحالية، انخفضت قيمة رواتبنا بما لا يقل عن 30%.

• في ظل أوضاع الحرب وتراجع القدرة الشرائية، كيف هو وضع الدوام في الإدارات الرسمية؟

بعض الإدارات، مثل وزارة الصحة والمرفأ وغيرها، مجبَرة على التواجد بشكل دائم.

• هل تواصلتم مع الحكومة لمعرفة مصير الزيادة؟

ماذا نقول؟… لا أحد يسمعنا، وكأننا غير لبنانيين. في هذه الظروف الصعبة جداً، لا أحد يسأل عنا.

• الحكومة تجبي الضرائب باسمكم، من دون أن تنالوا شيئاً مما وُعدتم به؟

نعم، هذا صحيح. الحكومة تستفيد من موظفي الإدارة العامة، لكنها لا تريد أن تفعل شيئاً لهم.

• ألم تتواصلوا مع وزير المالية؟

بلى، لكن لا نتيجة.

فحيلي: ملف الرواتب اختبار لقدرة الدولة على إعادة بناء نفسها

من جهته، يقول خبير المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي إن قضية رواتب القطاع العام، في ظل الانهيار الاقتصادي الذي يعيشه لبنان منذ عام 2019، ليست تفصيلاً تقنياً في دفتر الإصلاحات، بل هي من أكثر الملفات حساسية وخطورة، لأنها تقع عند تقاطع العدالة الاجتماعية، والاستدامة المالية، واستقرار الدولة نفسها.

ويشير فحيلي إلى أن تقرير المساعدة الفنية الصادر عن صندوق النقد الدولي بشأن الإنفاق على موظفي الحكومة، لا ينبغي قراءته بوصفه وثيقة تقنية فقط، بل باعتباره مرآة لحجم الخلل البنيوي في الدولة اللبنانية.

ويضيف: قبل الأزمة، كان الإنفاق على الرواتب مرتفعاً نسبياً مقارنة بحجم الاقتصاد وإيرادات الدولة. أما بعد الانهيار، فلم يعد التحدي يقتصر على حجم الإنفاق بحد ذاته، بل أصبح في كيفية إعادة بناء هذا الإنفاق في بيئة فقدت فيها العملة أكثر من 90% من قيمتها، وتفككت فيها الإدارة العامة تدريجياً.

ويسأل فحيلي: كيف يمكن رفع رواتب القطاع العام بما يعيد الحد الأدنى من الكرامة للموظف، من دون أن يؤدي ذلك إلى انفجار مالي جديد أو موجة تضخمية إضافية؟

ويؤكد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من هنا، لا عبر خفض عشوائي للرواتب، ولا عبر زيادات شعبوية، بل من خلال إعادة تعريف دور الدولة:

ما هو حجم القطاع العام الذي يحتاجه لبنان؟

ما هي الوظائف الأساسية التي يجب الحفاظ عليها؟

وكيف يمكن ربط الأجور بالإنتاجية، لا بالترقيات الشكلية فقط؟

ويحذر فحيلي من أن الأخطر في هذا الملف هو البعد الاجتماعي، لأن القطاع العام في لبنان لم يكن يوماً مجرد جهاز إداري، بل تحول إلى شبكة أمان اجتماعي لآلاف العائلات التي تعتمد عليه كمصدر دخل أساسي. وبالتالي، فإن أي إصلاح غير مدروس قد يتحول سريعاً إلى أزمة اجتماعية وربما أمنية. ويخلص إلى أن ملف الرواتب ليس مجرد بند في الموازنة، بل هو اختبار لقدرة الدولة على إعادة بناء نفسها: إما أن تتم مقاربته ضمن رؤية إصلاحية شاملة تشمل إعادة هيكلة المالية العامة، وتحسين الجباية، ومكافحة الهدر، وإعادة توزيع الموارد بشكل عادل، وإما أن يبقى قنبلة موقوتة.

ويختم: لبنان لا يملك ترف الوقت. فاستمرار الوضع الحالي يعني مزيداً من تآكل الإدارة العامة، ومزيداً من فقدان الثقة بالدولة، ومزيداً من الانزلاق نحو اقتصاد موازٍ خارج أي إطار مؤسساتي. والخيار واضح، وإن كان مؤلماً: إما إصلاح منظم ومدروس يعيد التوازن بين الكلفة والقدرة، أو انهيار صامت يستمر في تفريغ الدولة من مضمونها. وفي الحالتين، سيدفع المواطن الثمن، لكن الفرق كبير بين ثمن يُدفع لبناء دولة، وثمن يُدفع لدفنها.

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.