أهالي العرقوب صامدون: النزوح لم يتجاوز 10%
يواصل العدو الإسرائيلي ترهيب أهالي منطقة العرقوب الجنوبية، لتهجيرهم واقتلاعهم من أرضهم بشتى الطرق؛ القصف المدفعي، التمشيط بالأسلحة الرشاشة، التوغّلات البرية واقتحام المنازل وتفتيشها، وصولاً إلى خطف أبنائها وقتلهم. وقد كان آخر هذه التوغّلات، في قرية حلتا التابعة لبلدية كفرشوبا فجر الثلاثاء الماضي، والذي تخلّله اقتحام منازل مدنيين وإطلاق النار عليهم، ما أسفر عن استشهاد أحدهم وإصابة آخر، وخطف ثالث.
ومع ذلك، يتمسّك أبناء العرقوب من شبعا وكفرشوبا وكفرحمام إلى الهبارية وراشيا الفخار والماري والفرديس، بحقّهم بالبقاء في أرضهم، رغم الظروف الأمنية والمعيشية القاسية جداً.
منذ توسّع العدوان الإسرائيلي في 2 آذار الجاري، اتّخذ اتحاد بلديات العرقوب قراره: «لن نغادر قرانا إذا قال العدو غادروا»، كما ينقل رئيس الاتحاد ورئيس بلدية كفرشوبا قاسم القادري. وهذا ما حصل، إذ «لم يتجاوز حجم النزوح 10% من أهالي المنطقة». وبعد استفزازات العدو وانتهاكاته، جدّد الاتحاد في بيانه الأخير تأكيد «تمسّكنا بأرضنا وبقرانا ومنازلنا وعدم النزوح منها ما دمنا قادرين على البقاء فيها».
ويعود صمود أهالي العرقوب والتمسّك بقرار عدم المغادرة بشكل أساسي لوعيهم بمخططات العدو التوسّعية و«تمنياته بخروجنا من أرضنا، بل سعيه لاقتلاعنا منها، ليُنشِئ منطقة عازلة، ويملأ الفراغ الذي نتركه»، يقول القادري. لذا، تشبّثوا بأرضهم «في شكل من أشكال مقاومة الاحتلال». وحتى من غادر منزله «سرعان ما عاد إليه بعدما أدرك أنه ليس هناك مكان آمن بالمطلق من غدر العدو، وأن الاعتداءات ليست محصورة بالجنوب»، إضافة إلى عدة عوامل تقف حجر عثرة في طريق خروج الأهالي من المنطقة، لها علاقة بـ«مشقة النزوح، والتضييق على النازحين، عدا كلفة الإيجار المرتفعة في المدينة، وتراجع قدرتهم الشرائية».
لكن كلفة صمود أبناء العرقوب مرتفعة، نتيجة الحصار المطبق عليهم بالكامل، ليس في قراهم فحسب بعد قطع الطرقات والجسور، وإنما حبسهم في منازلهم، «تفادياً للتمشيط العشوائي الذي ينفّذه الإسرائيلي خاصة ليلاً، والتوغّلات الخاطفة التي تهدف إلى نشر الخوف والرعب بين الأهالي». وبدلاً من أن ينتشر الجيش اللبناني في المنطقة لتأمين حماية المدنيين الصامدين، والمساهمة في طمأنة السكان، أخلى الجيش موقعين في كفرشوبا وأبقى على واحد في كفررمان- الهبارية.
وإلى جانب التحدّيات الأمنية، يواجه أبناء المنطقة عوائق في تأمين الخدمات والحد الأدنى من مقوّمات الحياة. فبعدما انقطع خط الكهرباء الذي يغذّي مضخة المياه من جهة حلتا الوزاني قبل شهر ونصف شهر، أي قبل توسّع العدوان، و«رفض الجيش اللبناني طلبنا تأمين الحماية لإصلاحه رغم أننا تعهّدنا بإرسال هويات العمال وصورة الآلية التي ستدخل المنطقة»، يعاني أهالي كفرشوبا اليوم في تأمين المياه. وقد قامت البلدية بالاستعاضة عن خط الكهرباء بمولّد كهربائي كحل بديل، لكن «يبقى التحدّي الأصعب في تأمين وصول المازوت باستمرار وتوفير كلفته العالية بمعدّل 40 ليتر مازوت لكل ساعة تعبئة مياه».
ونتيجة الاعتداءات الإسرائيلية، أُقفلت جميع المنافذ إلى العرقوب باستثناء منفذ الشمال باتجاه حاصبيا، «تركوه طريقاً للنزوح»، يقول القادري بسخرية. وهذه الطريق تؤمّن، حتى الآن، وصول البضائع والسلع والمساعدات إلى أهالي العرقوب من جهة البقاع، وتزوّد المحالّ والدكاكين باحتياجاتها اليومية من الخضر والسلع الأساسية وقوارير الغاز… بينما تصل المساعدات إلى المنطقة لإغاثة الصامدين من قبل مؤسسات الدولة، ولا سيما عبر وزارة الشؤون الاجتماعية، والهيئة العليا للإغاثة، ومجلس الجنوب الذي يرسل موادَّ غذائية ومحروقات. كما تصل مساعدات من منظمات دولية وجمعيات مختلفة.
لكن، عمليات الإغاثة، بحسب القادري، «عشوائية وينقصها تنظيم وتنسيق بين الجهات المساهمة»، إذ «تصل مساعدات من نوع واحد، مقابل النقص في حاجات كثيرة أخرى». فمثلاً «تصلنا كراتين الحصص الغذائية، نعم هي جيدة، لكنها لا تكفي وحدها وتحتاج العائلات إلى متطلبات أخرى مثل قارورة غاز للطهو، ولمبات تعمل على الطاقة الشمسية لاستخدامها ليلاً في ظلّ انقطاع الكهرباء». لذا، يقترح القادري «إعطاء الناس الأموال لكي يشتروا ما ينقصهم».
صحيح أن الحياة في العرقوب اليوم «صعبة جداً»، يقول القادري، لكنها لم تكن سهلة طوال السنوات الثلاث الماضية، مع حرمان الأهالي من الوصول إلى أراضيهم للزراعة والرعي، والاستيلاء عليها بقوة النار. لذا، يأملون أن تنتهي الحرب بتحرير كامل لأراضيهم، عندها يحصدون ثمار صمودهم فيها.