أنصاف الحلول تُنقذ الاقتصاد وتقتل الدولة!

حفلت ساحة النجمة في الأيام الأخيرة بحضورٍ نيابي كثيف، بدا في ظاهره مخصّصًا لمناقشة مشروع الموازنة العامة المقدّمة من الحكومة لعام 2026، غير أنّ مجريات الجلسة كشفت سريعًا أنّها لم تكن سوى مساحة مفتوحة للتسويق الانتخابي بامتياز. فقد طغى السجال السياسي على النقاش المالي والاقتصادي البنّاء، في مشهدٍ عكس أولويات الطبقة السياسية، وذلك في ظل حراك شعبي ونقابي متصاعد في الساحات المحيطة بمجلس النواب وعلى أبوابه.

أُقِرَّت الموازنة بعد مدٍّ وجزرٍ كان متوقّعًا، لكن الأهم في المشهد لم يكن بنودها بقدر ما كان التناقض الصارخ بين انشغال الطبقة الحاكمة بخلافاتها العقيمة، وبين الحراك الإقليمي الداعم للبنان. فقد جاءت زيارة وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية، محمد بن عبد العزيز الخليفي، إلى لبنان مطلع هذا الأسبوع، ليعلن خلالها عن حزمة مشاريع تنموية وإنسانية شملت قطاعات الصحة والتعليم، ودعم العودة الآمنة للاجئين السوريين من لبنان إلى سوريا، إضافة إلى تقديم أربعين مليون دولار أميركي لدعم قطاع الكهرباء.
هذه الخطوة أكدت مرة جديدة أن اهتمام الأشقاء العرب باستقرار لبنان ودعمهم له، بلدًا وشعبًا، يفوق في كثير من الأحيان حرص اللبنانيين أنفسهم على إنقاذ دولتهم. كما أعادت التذكير بأن قطر كانت ولا تزال السبَّاقة في المبادرة إلى تقديم الدعم، متجاوزةً بطء المسيرة الإصلاحية التي تقودها الدولة اللبنانية، وعجزها عن ترجمة وعودها إلى أفعال ملموسة.
ويكتمل المشهد الإقليمي في استقبال رئيس الوزراء القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، للموفد الفرنسي جان إيف لودريان، حيث أكد أن «استقرار لبنان هو ركيزة لاستقرار المنطقة»، في رسالة واضحة تعكس سعي الدول الصديقة إلى حماية لبنان وتحييده عن ارتدادات أي مواجهة عسكرية أميركية–إيرانية محتملة.
في الاقتصاد، يمكن اللجوء إلى أنصاف الحلول. فقانون الانتظام المالي، وإن لم يكن مثاليًا، شكّل خطوة أولى في مسار الإصلاح المالي، وفتح نافذة أمل لإعادة الودائع ضمن الإمكانات المتاحة، من دون القضاء على النظام المصرفي الذي، على الرغم من سوء إدارته وتواطئه مع الطبقة الفاسدة الحاكمة على مدى عقود، لا يزال ركيزة اقتصادية ومالية لا غنى عنها.
وبالمثل، فإن الموازنة المطروحة، رغم ما تحتويه من ثغرات وإخفاقات، تبقى أفضل الممكن في ظل واقع خزينة مفلسة، وإدارات متهالكة، وقطاع عام جائع ومنهك. ويُسجَّل إيجابيًا ما أكده وزير المالية ياسين جابر أمام مجلس النواب لجهة تحقيق زيادة في الواردات بنسبة أربعة في المئة، من خلال تفعيل الجباية، وتعزيز مداخيل جمارك المرفأ والمطار، والمخالفات البحرية، والمقالع والكسارات، وسواها من الموارد التي نُهبت بشكل ممنهج وغير مسبوق، من دون أي زيادة في الضرائب، ما يشكّل خطوة في مسار الإصلاح وإنصاف العاملين في القطاع العام.
إلّا أنّ أنصاف الحلول في السياسة مستحيلة. فلا يمكن للدولة أن تستعيد سيادتها كاملة فيما يبقى قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها، ولا يمكن حصر السلاح في جنوب الليطاني من دون بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية بلا استثناء. يقول صمويل هنتنغتون في كتابه «النظام السياسي في المجتمعات المتغيّرة» إن «المشكلة الأساسية ليست في غياب الشرعية، بل في غياب السلطة؛ فالدولة التي لا تملك القدرة على فرض النظام، لا تملك دولة». فإما قدرة فعلية على الضبط والتنفيذ، أو فراغ سلطوي قاتل.

Leave A Reply

Your email address will not be published.