الطعن بقانون “الفجوة” لا يصحّ دستورياً ولن يحصل
منذ أن بدأ البحث يأخذ مساراً جدياً على طريق الإعداد لمشروع قانون الانتظام المالي (الفجوة المالية) الذي يأتي ضمن سلة القوانين الإصلاحية المطلوبة دولياً، باعتباره شرطا أساسيا لاستعادة لبنان القدرة على الاقتراض من الأسواق الدولية، بعدما فقد تلك القدرة إثر إعلان حكومة حسان دياب التوقف عن سداد الديون السيادية، كان التباين واضحاً في مقاربات الفريق الرسمي، وهي كانت تجلت منذ أول مشاركة لوفد لبنان إلى اجتماعات صندوق النقد الدولي بعد تأليف حكومة نواف سلام وتعيين كريم سعيد حاكماً للمصرف المركزي بالتصويت وليس بالتوافق.
في الأسئلة التي طرحها رئيس الحكومة على الحاكم في جلسة التعيين والاعتراض عليه، كان واضحاً أن السرايا والفريق الاقتصادي المحيط بسلام يختلف بمقارباته الاقتصادية عن الحاكم، تماما كما كانت الحال مع وزير المال وفريقه الاقتصادي.
خضعت مسوّدة المشروع لأكثر من ١٩ تعديلا، تداخلت فيها توصيات السرايا والمال وصندوق النقد، ما أثار جدلاً ولغطاً كبيرين حول ما يريده كل فريق من المشروع ومن يحمي ومن يستهدف. كل ذلك تحت شعار شعبوي تمسك به كل هؤلاء بما ومن يمثلون، هو حماية الودائع وقدسيتها، فيما الشهور تمضي وتآكل الاموال يجري من دون أي محاسبة.
واليوم، بعدما نجحت حكومة سلام في إقرار المشروع ولو بأكثرية هزيلة، دخل في بازار السجال السياسي لضربه من خلال استهدافه في مكانين، الأول دستوري، ويقود هذا الفريق رئيس المجلس الذي شكك منذ اليوم الأول لإقرار المشروع وقبل وصوله إلى البرلمان، في دستوريته، منطلقاً من أنه لم يحصل على ثلثي الأصوات، والثاني سياسي مرتبط في شكل وثيق بالنقطة الأولى، وهو السبب الأساسي لها، ويكمن في فتح حملة مزدوجة، واحدة على الحكومة ورئيسها لموافقتها على مشروع كهذا صنّفه المعترضون بأنه يطيح الودائع ويحمي الفاسدين، وأخرى على حاكم المركزي على خلفية تحميله مسؤولية الإعداد للمشروع.
وكان لافتا أنه عند هذه النقطة، لم يتدخل رئيس الحكومة أو أي من فريقه الاقتصادي لإعلان أبوّته للمشروع، بل ترك الاتهامات والاعتراضات تأخذ مجراها في اتجاه الحاكم، علماً أن اقتراح الحاكم في الأساس كان يقضي بأن يسدد المركزي من سيولته ٢٠ في المئة فوراً من الشطر الأول للوديعة البالغ ١٠٠ الف دولار نقداً دفعة واحدة أو اثنتين، على أن يتقاسم مع المصارف السداد على قاعدة ٥٠ في المئة وعلى فترات تراوح بين سنة و٥ سنوات بدفعات شهرية جزء منها نقداً والجزء الآخر عبر بطاقات الاعتماد. لكن الاقتراح سقط ولم يؤخذ به.
وبدل أن يكون السؤال متى يبدأ مجلس النواب درس المشروع؟ وأي لجان ستتولى الأمر؟ صار السؤال: هل يعاد المشروع إلى الحكومة؟ وهل يطعن به؟ ومن يتحمل مسؤولية كهذه في ظل الضغط الدولي المتنامي على لبنان سياسياً ومالياً؟
الواقع أن المشروع ليس مخالفاً للدستور وفق رأي دستوري يقول إنه لا يحتاج إلى الثلثين، باعتبار أنه قانون عادي. فعملا بالمادة 65 من الدستور اللبناني، تُتخذ قرارات مجلس الوزراء بالتوافق، وإذا تعذّر فبالتصويت بأغلبية الحاضرين، على أن تُشترط موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة في المواضيع الأساسية التي ورد تعدادها على سبيل الحصر في الفقرة الخامسة من المادة المذكورة. لا يندرج مشروع الفجوة ضمن القوانين العادية ذات الطابع المالي والتنظيمي، ولا يدخل ضمن نطاق المواضيع الأساسية المحددة دستوريا، ولاسيما أنه لا يتصل بالموازنة العامة ولا بتعديل دستوري أو بإحدى الحالات الاستثنائية المنصوص عليها، وبالتالي فإن إقراره في مجلس الوزراء يخضع لقاعدة الأكثرية العادية. فالمواد التي تتطلب تصويت الثلثين، يسميها الدستور “المواضيع الأساسية” مثل تعديل الدستور، وحالة الحرب والسلم، والموازنة العامة، وقانون الانتخاب، وحالة الطوارئ، والمعاهدات الدولية الخطيرة، واللامركزية الإدارية، وإعادة النظر في التقسيمات الإدارية. وبما أن قانون الفجوة لا يرد ضمن هذه المواضيع، وهو يقع في إطار قانون تنظيمي – مالي يعالج توزيع الخسائر، ولا يغير في بنية النظام الدستوري أو الكياني للدولة، وبما أن الاستثناء يفسر تفسيراً ضيقاً دستورياً، فلا يجوز التوسع فيه. أما قانون الموازنة العامة، فقد نصّ الدستور صراحة على اعتباره من المواضيع الأساسية، مما يوجب إقراره بموافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة، لكونه الأداة الدستورية التي تُحدَّد من خلالها السياسة المالية العامة للدولة وسقف الإنفاق.
أما الكلام على حاجة هذا القانون إلى الثلثين، فيعود إلى خلفيات سياسية لا دستورية وفق المصدر، نظراً إلى تأثيره الكبير على المودعين، وحساسيته الاجتماعية وارتباطه بالبرنامج مع صندوق النقد. وعليه، فإن هذه النظرية لا تصح هنا لأن حجم الأثر لا يغير القاعدة الدستورية.
هل هذا يعني أنه لن يصار إلى الطعن بالمشروع؟ تجيب مصادر سياسية بأن الموضوع بات في يد رئيس المجلس الذي له حسم الجدل (الذي كان أثاره هو) عبر إحالة المشروع على اللجان لدرسه ورفعه إلى الهيئة العامة بكل التعديلات الواجب إدخالها، على ألا تطيح إطاره القانوني، بل أن تأتي لتكرس مبدأين: حماية الودائع بحق ومحاسبة المرتكبين بحق أيضاً، منعاً للتلفت من المسؤولية والعقاب!