تحسّن التصنيف بالليرة: خطوة محدودة في ظل غياب إصلاحات شاملة واتفاق نهائي مع صندوق النقد… هل يضمن لبنان استدامة هذا التحسّن؟
رفعت وكالة «ستاندرد أند بورز» التصنيف الائتماني للدين المحلي اللبناني من CC إلى CCC، مع نظرة مستقرة، ما يعكس تحسّناً نسبياً في القدرة على خدمة الدين بالليرة. جاء ذلك نتيجة فوائض مالية واستئناف دفع الفوائد لمصرف لبنان. بالمقابل، أبقت الوكالة تصنيف الدين الخارجي عند مستوى «التخلف الانتقائي»، بسبب استمرار فقدان الثقة. ورغم بعض الإصلاحات، يظل غياب اتفاق مع صندوق النقد و«قانون الفجوة المالية» عائقاً أمام تحسّن فعلي ومستدام.
تراجع الدين سببه انهيار الليرة
من هذا المنطلق، يقول الباحث الاقتصادي الدكتور نسيب غبريل لـ «اللواء» إن «وكالة «ستاندرد أند بورز» رفعت التصنيف الائتماني للبنان بالعملة المحلية، معتبرة أن هذا الرفع يعكس تحسّناً بسيطاً في قدرة الحكومة اللبنانية على تسديد الديون بالليرة. ويعود ذلك إلى الفوائض الأولية التي حققتها المالية العامة في عامي 2023 و2024، إضافة إلى تقدّم نسبي في الإصلاحات اللازمة للتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي».
ويضيف: «من الأسباب التي أشارت إليها الوكالة أيضاً، هو أن تدهور سعر صرف الليرة خلال الأزمة أدّى إلى تقلص القيمة الفعلية للدين العام بالعملة المحلية. فقبل الأزمة، كان الدين العام يقارب 100 مليار دولار، 60% منه بالليرة اللبنانية على سعر صرف 1500 ليرة، أي ما يعادل نحو 60 مليار دولار. أما اليوم، ومع انهيار سعر الصرف، فقد أصبحت القيمة الفعلية للدين بالليرة تُقدّر بأقل من مليار دولار، إذ أنه وكما أشارت الوكالة إلى أن الحكومة اللبنانية كانت قد أوقفت دفع الفوائد على سندات الخزينة التي يحملها مصرف لبنان منذ عام 2021 وحتى عام 2023».
ويتابع: «نحن نعلم أن مصرف لبنان هو الجهة التي تحمل أكبر عدد من سندات الخزينة بالليرة اللبنانية، والحكومة عادت تسديد هذه الفوائد لمصرف لبنان ابتداءً من العام 2024 وقررت أن تعود وتدفع جميع الفوائد المتراكمة بين فترة العام 2021 والعام 2023 خلال هذا العام. فتحسّن وضع المالية العامة مدعوم بتحقيق فائض في الموازنة منذ عام 2023، ما يعزز قدرة الحكومة على خدمة الدين بالليرة اللبنانية»، متابعاً: «تُشير الوكالة أيضاً إلى أن تقلص حجم الدين العام بالليرة اللبنانية يجعل من المرجح أن تتركز إعادة هيكلة الدين على سندات «اليوروبوندز» بالعملات الأجنبية، دون أن تشمل سندات الخزينة بالليرة».
سيناريوهات التصنيف المقبلة
وفي سياق متصل، يشدّد غبريل على أن «الوكالة تشرح أن لديها سيناريوهين بخصوص رفع التصنيف الائتماني. الأول، يتمثل في إمكانية رفع التصنيف على سندات الخزينة بالليرة اللبنانية خلال الأشهر المقبلة، في حال شملت السلطات اللبنانية هذه السندات ضمن إعادة هيكلة شاملة للدين العام، بما في ذلك سندات «اليوروبوندز»، أما السيناريو الثاني، فيُحتمل أن يتحسّن التصنيف الائتماني للبنان بالعملة المحلية إذا رأت الوكالة تقدّماً فعلياً في الإصلاحات الاقتصادية، بما يساهم في معالجة الاختلالات وتحقيق انتعاش اقتصادي، ويؤدي إلى تخفيف القيود المالية وتحسين قدرة لبنان على الحصول على تمويل خارجي بشروط ميسّرة».
- تصنيف الدين بالعملات الأجنبية يبقى الأكثر حرجاً
في المقابل، يقول غبريل: «أبقت الوكالة على التصنيف السيادي للبنان بالعملات الأجنبية عند درجة «التعثّر الانتقائي»، وهي أدنى درجة على سلم التصنيفات، وذلك بسبب عدم بدء الحكومة حتى الآن بإعادة هيكلة سندات «اليوروبوندز»، رغم مرور أكثر من خمس سنوات على إعلان التوقف عن السداد في عهد حكومة الدكتور حسان دياب. وبالتالي، فإن التحسّن في تصنيف الدين بالليرة يُعدّ ثانوياً مقارنةً بتصنيف الدين بالعملات الأجنبية، لأن الدول يمكنها طباعة عملتها المحلية لتسديد ديونها، في حين لا يمكنها طباعة العملات الأجنبية كالدولار، ما يجعل التصنيف المتعلق بالدين الخارجي أكثر أهمية».
اتفاق إصلاحي – تمويلي… مع صندوق النقد
وأمام كل تلك الوقائع، لا ينكر غبريل أن «السلطات اللبنانية بدأت بتنفيذ بعض الإصلاحات التي طلبها صندوق النقد الدولي، منها تعديل قانون السرية المصرفية، تعيين مجلس إدارة جديد لمصرف لبنان، وإقرار قانون إعادة انتظام العمل المصرفي. إلّا أن التحدّي الأكبر، سياسياً وشعبياً، يبقى في إقرار قانون يحدد مصير الودائع، المعروف بـ«قانون الفجوة المالية»، والذي لا تزال خطة الحكومة بشأنه غير واضحة حتى الآن».
من هنا، يعتبر أن «صندوق النقد الدولي لا يكتفي بمشروع قانون نظري، بل يطالب بإقراره في مجلس الوزراء وتحويله إلى مجلس النواب للتصويت عليه وجعله قانوناً نافذاً. وقد صرّح وزير المالية أن المشروع سيكون جاهزاً في شهر أيلول، بينما أشار حاكم مصرف لبنان إلى أن القانون سيُحال إلى مجلس النواب في شهر كانون الأول. لكن يبقى السؤال: هل سيكون لدى الكتل السياسية في مجلس النواب الاستعداد لإقرار هذا القانون، خاصة إذا وصل المشروع قبل أشهر قليلة من الانتخابات النيابية؟».
إذ أنه وبحسب غبريل «المشكلة في لبنان لا تقتصر على القطاع المصرفي فقط، بل تشمل أيضاً قضايا جوهرية مثل مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، تعزيز الحوكمة في المؤسسات العامة ذات الطابع التجاري، إعادة هيكلة القطاع العام، وبدء المفاوضات مع حاملي سندات «اليوروبوندز» لإعادة هيكلة الدين العام. فالاتفاق مع صندوق النقد يجب أن يتضمن هذه الإصلاحات كخطوات أولية إلزامية، لا كإجراءات نهائية».
هل لدى الحكومة اللبنانية خطة لإعادة بناء الثقة؟
عليه، يختم غبريل: «إعادة بناء الثقة لا تكون فقط في الدين العام السيادي أو في القطاع المصرفي بشكل منفصل، فالإصلاحات لا تتجزأ. العنوان العريض لأي برنامج إصلاحي هو استعادة الثقة، وهذه لا تتحقق فقط عبر إدارة الدين العام أو القطاع المصرفي، أو من خلال تحسين المالية العامة عبر زيادة الواردات، خفض النفقات، وتحقيق فائض أولي أو إجمالي. فالثقة تُبنى من خلال تطبيق شامل ومتوازٍ للإصلاحات في مختلف المجالات: الأمنية والعسكرية، السياسية، الدبلوماسية، القضائية، الإدارية، الاقتصادية، المالية، والمصرفية. فخيارات التمويل المتاحة للدولة لا تُستعاد إلا بعودة الثقة، وهذه الأخيرة لا تأتي إلا من إصلاحات شاملة وغير مجتزأة».
ومن جهته، يرى رئيس لجنة الرقابة على المصارف السابق سمير حمود، أنه « باختصار التصنيف بالليرة ليس له قيمة كبيرة ولكنه أفضل من إبقائه متدنياً، ويبقى السبب في التحسين أن قيمة الدين بالليرة بعد تدهور الليرة أصبح سهل السداد والمشكلة انتقلت الى الدين بالاجنبي، إذ أنه من المهم معالجة الأزمة المالية والمصرفية بقانون صحيح عادل واتفاق مع صندوق النقد وقبل كل ذلك إزالة أسباب اي انتكاسة أمنية أو سياسية».