المناخ وإنتاجية الزراعة
هنالك اهتمام واضح متجدِّد في لبنان بالقطاع الزراعي خاصة في قطاع المأكولات والمشروبات المتنوعة. يتبين للجميع مع الوقت أن اهمال الزراعة لعقود أضر باقتصادنا ودفع المواطنين نحو ترك الريف والسكن في المدن أو الهجرة. العودة الى القطاع الزراعي مهمة جدا وتحتاج الى مساعدات تمويلية للانتاج بالاضافة طبعا الى الارشاد التقني الضروري مع التطور التكنولوجي. لا تنمية زراعية من دون استثمارات سخية وسريعة في خدمتي المياه والكهرباء. فالعودة الى الزراعة تؤدي أيضا الى معالجة تحديات البيئة والمناخ عموما وهو ما شعرنا بأهميته مع الحر الشديد الذي عانينا منه هذا الشهر. لا يجب أن نغرق في فهم ودراسة وتطوير الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الصناعية وننسى بل نهمل القطاع الأول المهم جدا.
نسبة الزراعة من الناتج المحلي الوطني تنخفض كلما نما الاقتصاد بحيث تكبر نسبيا القطاعات الأخرى. يرتبط التغيير المناخي بالتلوث المسبب للأمراض على أنواعها. لا ترتبط العلاقة بين المناخ والزراعة فقط عبر الكميات المنتجة وانما عبر نوعيتها وبالتالي بتأثيرها المباشر على صحة الانسان وعمره المرتقب. يجب الاهتمام بنوعية التربة ومدى استعمال التكنولوجيا لتطويرها بالاضافة الى الأدوية والسماد الكيماوي ودرجة فهم المزارع للعلوم ومتابعته لها. هذا يفسر توسع المساحة الزراعية في الدول التي اعتمدت على تكنولوجيا متطورة لرفع مستوى انتاجية التربة. هنالك تخصص في الزراعة، اذ تشتهر دول بانتاج القمح وأخرى بالأرز وغيرها كما بالذرى. التربة والطقس وعوامل الانتاج تؤثر على هوية السلع ونوعيتها والكميات.
من الدول التي أهملت معالجة الموضوع المناخي هي الصين، وتحاول اليوم التعويض. تقدر خسارة التلوث السنوية ب 3,5% من الناتج الصيني مما يؤخر التقدم الاقتصادي ووصول الصين الى المرتبة الأولى عالميا. هنالك عدو جديد للبيئة وللاتفاقيات الدولية بشأنها وهو الرئيس ترامب الذي لا يؤمن بالتغير المناخي ويعتبره أضحوكة بل كتلة فساد لا تقدم بل تهدر الأموال والطاقات.
لا يأخذ المزارع حقه الاقتصادي، وهذا معروف لكن في نفس الوقت مقلق مستقبلا نظرا لأهمية الزراعة في الحياة. لا يرتبط قطاع الزراعة فقط بالسلع الغذائية للانسان المنتجة من الأرض، وانما أيضا بالانتاج الحيواني وغذاء الحيوان كما الأعلاف والطاقة المولدة من هذه المنتوجات كما بالألياف والعديد من المواد الكيمائية الصناعية. 40% من الأرض تستعمل للزراعة بكافة أشكالها وأقسامها.
هنالك واقع احصائي عالمي وهو أن خلال النصف الثاني من القرن الماضي، تفوقت نسبة ارتفاع الانتاج الزراعي على النمو السكاني. مجددا، فشلت نظريات «مالتوس» في توقع المستقبل الزراعي والفقر والمجاعة بسبب انتشار التقنيات والعلوم في كل الدول. في سنة 1961، أنتج العالم زراعيا ما قيمته 746 مليار دولار على مساحة 4,5 مليار هكتار مع يد عاملة قدرت ب 768 مليون شخص لتأمين الغذاء لـ 3 مليارات شخص. في سنة 2011 تحولت هذه الأرقام جذريا حيث ارتفع عدد السكان بنسبة سنوية قدرها 1,69% وارتفع الانتاج الزراعي بنسبة سنوية قدرها 2,25%، ولم تزداد المساحات المستعملة للزراعة الا بنسبة سنوية قدرها 0,22%. لا ننكر هنا فضل المؤسسات الدولية وخاصة منظمة التغذية FAO في نشر التقدم الزراعي خاصة في الدول النامية والناشئة. طبعا هذا لم ولن يقضي على الفقر في الريف، انما حسن الأوضاع حتى بدأنا نرى الفقر الأقصى والأعمق في المدن وليس في الريف.
هنالك خصائص عالمية واضحة رئيسية بشأن الزراعة كأن يتوزع الانتاج الغذائي بطريقة غير متوازية عالميا. ينتج الغذاء عموما بالقرب من المستهلكين وهذا منطقي وطبيعي. لكن في نفس الوقت هنالك كميات كبيرة من الغذاء تنتج بعيدا وتتلف أحيانا بسبب النقل والمسافة وعدم صيانة وسائل ومعدات وآليات النقل. في التوزع الجغرافي للانتاج، هنالك تغيرات كبيرة حصلت بين سنتي 1961 و2011. 43,8% من الانتاج العالمي كان يحصل في الدول الغنية في سنة 1961 مقابل 24,6% في سنة 2011، علما أن قيمة الانتاج ارتفعت من 327 مليار دولار الى 591 مليار دولار. ارتفعت حصة آسيا زراعيا من 24% من الانتاج العالمي الى 45% خلال 50 سنة أي زاد انتاجها بالدولار 6 مرات وهي معجزة فعلية. أما منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فارتفعت حصتها من 3,7% الى 5,2% أو 4,5 مرة.
هنالك 5 دول تعتبر رائدة في الانتاج الزراعي وهي الهند والولايات المتحدة وروسيا والصين والبرازيل. فالانتاج الزراعي غير موزع بشكل عادل، وبالتالي تتحكم الدول الخمس بكميات الانتاج والنوعية وبالتالي الأسعار. انتاجية الزراعة ارتفعت في العقود الماضية، الا أن وتيرة هذه الزيادة خفت مؤخرا بسبب اهتمام العالم بالتقنيات والأدوات المالية والابتعاد عن الاقتصاد الحقيقي ومشاكله. في الدول الغنية، كان هنالك 65 مليون شخص يعملون في القطاع في سنة 1961 وانحدر الى 17 مليون في سنة 2010، بالرغم من أن الانتاج ارتفع. مصدر ارتفاع الانتاجية هو التقدم التكنولوجي النابع من البحوث التي تقوم بها جهات خاصة وعامة. ينعكس هذا التغيير الانتاجي على الأسعار والكميات المنتجة كما على مختلف السياسات الزراعية التي تقوم بها الدول والمؤسسات العالمية.
في احصائيات دقيقة تنتجها منظمة التغذية في روما، يتبين أن انتاج العامل في الدول الأغنى يعادل 50 مرة ما ينتجه العامل في الدول الأفقر. الأسباب عديدة منها سوء توزع الأرض في الفقيرة نسبة للغنية. يتردد العامل في الدول الفقيرة في تغيير التكنولوجيا المستعملة خوفا من فقدان الوظيفة ولعدم فهمه أحيانا لفوائد التغيير وكيفية استعمال التكنولوجيا في الانتاج. من ناحية أخرى، هنالك واقع وهو أن القطاع الزراعي عموما في الدول النامية يوظف العمالة الأقل ثقافة وعلما، لآن الآخرين يتوجهون نحو الصناعة والخدمات خاصة المالية. المشكلة الزراعية مستمرة.