الكهرباء بين الاستدامة والإنقاذ: من يموّل العتمة؟
صار واضحاً أن أزمة قطاع الكهرباء في لبنان أصبحت أزمة مركبة. فبالإضافة إلى النقص في القدرة الإنتاجية، وهي المشكلة المزمنة لقطاع الكهرباء منذ عقود، أصبح القطاع بعد الانهيار المصرفي والنقدي ورفع الدعم عن المحروقات، غير قادر على تشغيل القدرة التشغيلية الموجودة أصلاً، لتقتصر التغذية بالتيار على 6 ساعات يومياً كحد أقصى، بسبب عوامل مالية. وفي نهاية العام الماضي نشرت مؤسّسة كهرباء لبنان، خطّة لتغطية الأكلاف من إيراداتها الذاتية، لكن لم يدم الأمر مع قرار وزارة الطاقة رمي هذه المسؤولية على مجلس الوزراء.
صحيح أن تغيّرات طرأت بين الخطوتين مع اشتعال الحرب في آذار وارتفاع أسعار الفيول عالمياً، إلا أن خطّة المؤسسة تظهر بمنطق مختلف عن طرح وزارة الطاقة. المؤسسة تطمح لتصبح رابحة ومستقلّة وقادرة على تشغيل نفسها، في مقابل محاولة وزارة الطاقة الهروب من المسؤولية ورميها على مجلس الوزراء ربطاً بتداعيات الحرب التي أدّت إلى توقّف الجباية في مناطق واسعة وأضرار ماديّة بشبكتي النقل والتوزيع وارتفاع في كلفة الإنتاج بفعل تضخّم أسعار النفط.
في ملحق خطة تغطية التكاليف الصادر في كانون الأول 2025، بنت مؤسّسة كهرباء لبنان سردية مختلفة تماماً تنطلق من انتهاء اتفاق الفيول العراقي باعتباره تحوّلاً أساسياً في نموذج عمل المؤسّسة، إذ لم تعد كلفة المحروقات مغطاة جزئياً من خارج المؤسسة، بل بات مطلوباً منها أن تموّل كامل سلسلة التشغيل، من شراء المحروقات إلى التشغيل والصيانة والاستثمارات، من إيراداتها الذاتية. ومع ذلك، تخلص الخطّة إلى أن هذا التحوّل يجعل الاستدامة المالية مشروطة بتحسين الجباية، خفض الهدر، وتحصيل المتأخرات.
وتعرض الخطة أرقاماً تعزّز هذا المنطق. فقد كانت تتوقع ارتفاع إيرادات المؤسّسة من 846 مليون دولار في 2025 إلى 1.61 مليار دولار في 2030، مقابل ارتفاع النفقات من 914 مليون دولار إلى 1.37 مليار دولار. وبذلك، تنتقل من خسارة دفترية تقارب 68 مليون دولار في 2025 إلى ربح يقارب 240 مليون دولار في 2030. كما تفترض الخطة تحسّن التغذية من 6.24 ساعات يومياً في 2025 إلى نحو 9.72 ساعات ابتداءً من 2028، بالتوازي مع خفض خسائر النظام من 40.17% إلى 29.44%، وخفض الخسائر غير الفنية من 26.9% إلى 15.4%.
واستندت هذه الصورة التفاؤلية إلى شروط صارمة. فالخطّة نفسها تشير إلى أن القطاع العام والمخيّمات يشكّلان نقطة الضعف الأساسية في النموذج. إذ تتحدث عن متأخّرات على الإدارات والمؤسسات العامة تبلغ 242 مليون دولار، وعن متأخرات على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين تبلغ نحو 75 مليون دولار. بمعنى أن المؤسّسة قادرة على تمويل نفسها إذا التزم القطاعان العام والخاص بتسديد الفواتير.
في المقابل، تعرض وزارة الطاقة على مجلس الوزراء مساراً مختلفاً. وبدلاً من تقديم كهرباء لبنان كمؤسّسة تسير نحو تغطية التكاليف، تلمح الوزارة إلى أنها مهددة مالياً وتشغيلياً إذا لم يحصل تدخل حكومي عاجل. فالوزارة تتحدث عن أضرار أولية في قطاع التوزيع تقدّر بنحو 67.5 مليون دولار، وعن خسائر شهرية في الجباية تبلغ نحو 12.85 مليون دولار، نتيجة توقف التحصيل في مناطق واسعة وتضرر الشبكات. كما تشير إلى أن إيرادات شهر آذار 2026 انخفضت بنحو 20% مقارنة بمعدل الأشهر السابقة، ما يعني أن الجباية المتوقعة قد لا تتجاوز 40 مليون دولار شهرياً إذا استمرت الظروف نفسها.
وتذهب الوزارة أبعد من ذلك في إبراز الفجوة بين الكلفة والتعرفة. فبحسب العرض، بلغت كلفة إنتاج الكيلوواط-ساعة نحو 25.04 سنتاً قبل احتساب كلفة النقل والتوزيع والهدر والأكلاف الإدارية. وعند احتساب هذه الأكلاف، تتجاوز الكلفة الإجمالية 31 سنتاً للكيلوواط-ساعة، في حين أن التعرفة القصوى المعمول بها تبلغ نحو 27 سنتاً. أي إن المؤسسة، في ظروف الحرب وارتفاع المحروقات، باتت تبيع الكهرباء بأقل من كلفتها الفعلية، ما يضعف الفرضية التي بُنيت عليها خطة تغطية التكاليف.
وتعرض الوزارة ثلاثة سيناريوهات للتغذية خلال صيف 2026؛ السيناريو الأول، يتضمن تشغيل مجموعتين لتأمين ما بين 4 ساعات و6 ساعات يومياً، وهذا يحتاج إلى 290 ألف طن من الغاز أويل بكلفة مقدرة بنحو 435 مليون دولار إذا بقي سعر الطن عند 1500 دولار. أما السيناريو الثاني، فيتضمن تشغيل ثلاث مجموعات لتأمين ما بين 6 ساعات و8 ساعات من خلال 480 ألف طن بكلفة 720 مليون دولار. والسيناريو الرابع، ينطوي على تشغيل أربع مجموعات لتأمين ما بين 8 ساعات و10 ساعات من خلال 667 ألف طن بكلفة مليار دولار. هذه الأرقام تظهر أن زيادة التغذية هي أصلاً مسألة قدرة على تمويل المحروقات مسبقاً.
من هنا يطرح عرض الوزارة عملياً آلية تمويل عاجلة عبر تحصيل مستحقات القطاع العام تتضمن تسديداً فورياً لنحو 48 مليون دولار أو ما يوازي أربعة أشهر من مستحقات الإدارات العامة، ثم 24 مليون دولار في الشهر التالي، وبعدها الاستمرار بوتيرة شهرية تقارب 12 مليون دولار. كما يرفع تقدير المتأخرات المتراكمة على القطاع العام إلى نحو 300 مليون دولار وفق التعرفة الجديدة، إضافة إلى مستحقات المخيمات. هنا تتحول المسألة من خطة استدامة طويلة الأجل إلى طلب سيولة عاجلة لتغطية اعتمادات المحروقات. بمعنى أن عرض وزارة الطاقة المقدّم للحكومة لا يتعدّى كونه محاولة طارئة للتعامل مع أزمة كان قدومها واضحاً منذ ثلاثة أشهر، وبدلاً من أن تتعامل معها وزارة الطاقة بشكل استباقي، تحاول الآن القيام بردّ فعل محصور بتأمين السيولة بسبب ضيق الوقت.
لذلك، لا تكمن المفارقة فقط في أن خطّة المؤسسة تتحدث عن تمويل ذاتي بينما عرض الوزارة يتحدث عن حاجة إلى الدولة. المفارقة الأعمق أن الوثيقتين تقدّمان حقيقتين مختلفتين عن المؤسسة نفسها. في الخطّة، إن كهرباء لبنان مؤسّسة خرجت من مرحلة العجز التاريخي وسدّدت جزءاً كبيراً من التزاماتها وتستطيع تمويل التشغيل والاستثمار إذا تحسنت الجباية وانخفض الهدر، أما في عرض الوزارة، فهي مؤسسة تستنزف احتياطاتها، وتحتاج إلى تحصيل عاجل من الدولة كي لا تتراجع التغذية أو تتعطل القدرة على شراء الفيول.