فن تضييع الشنكاش

يستحق مجلس شورى الدولة كل الشكر والتقدير، لأنّه أعاد التذكير بأحد أبسط المبادئ القانونية والدستورية: الوديعة ملكية خاصة يصونها الدستور، ولا يجوز شطبها أو الانتقاص منها تحت أي ظرف. فقد أنقذ المجلس لبنان من سابقة كانت ستشكّل جريمة بحق الدستور، واعتداءً على الملكية الخاصة، وتهديداً لدولة القانون.

وقد حاول البعض شطب الودائع المصنّفة غير مشروعة. ولسنا هنا في صدد مناقشة صحة هذا التصنيف. لكن حتى لو ثَبُتَ أنّ أموالاً ناتجة من فساد أو اختلاس أو تبييض أموال أو استغلال نفوذ، فهذا لا يمنح الدولة أو مصرف لبنان أو المصارف حق الاستيلاء عليها. فإذا أمكن تحديد أصحاب الحقوق، تُعاد إليهم. وإذا كانت تعود إلى دول أو شعوب أخرى وتعذّر إرجاعها إلى أصحابها المباشرين، فتُعاد إلى حكومات تلك الدول وفق القانون الدولي. فهي ليست ملكاً للبنان ولا للمصارف. لا تورّثوا لبنان سمعة أنّه خرج من أزمته بسرقة أموال الآخرين. فالمصارف قبلت هذه الأموال، وأدارتها واستثمرتها سنوات، ولا يحق لها اليوم اعتبارها «غير مشروعة» لتغطية نهبها لهذه الودائع على حساب العدالة. تاريخ

منذ بداية الأزمة، مارس بعض المسؤولين ما يمكن تسميته «فن تضييع الشنكاش». فبدل مواجهة أصل المشكلة، انتقلوا من فكرة إلى أخرى: إقامة ذهبية، ضرائب على المستفيدين من منصة صيرفة، شطب ودائع، إلخ…

أمّا السؤال الحقيقي، فبقي ممنوعاً: ماذا جرى داخل المصارف؟ أين ذهبت الودائع؟ كم بقي منها؟ كيف استُخدمت؟ ومَن استفاد منها؟ ولماذا لا تُفتح الحسابات ويُكشف حجم الموجودات والالتزامات والتحويلات والأرباح والخسائر؟ أي خطة لا تبدأ بكشف الحقيقة ليست خطة إنقاذ، بل تأجيل للأزمة. عم يلهّوا الشعب بأمور جانبية. وفي جميع الأحوال، فإنّ تأخير إعادة الودائع يعني استمرار استفادة المصارف من الأموال التي نهبتها، بعدما واصلت استثمارها وجني عوائدها طوال سنوات الأزمة.

كيف يُطلب من الناس إيداع أموال جديدة في مصارف ارتكبت جريمة نهب غير مسبوقة؟ كيف يُطلب منهم دفع ضرائب ورسوم إضافية وهم لا يعرفون كيف ستُصرف؟ طالما الغموض ما زال مستمراً، أول سؤال سيُطرح هو: ما الذي يضمن ألّا تُسرق كما سُرقت سابقاتها؟ لذلك نحتاج إلى الشفافية المطلقة، فهي أساس مع شروط أخرى لاعادة الثقة. ونكرّر، الثقة لا تُفرض بالقوانين ولا بالشعارات، فعندما تحكم الشفافية، يعود رأس المال، لأنّ المستثمر يبحث أولاً عن الثقة.

إنّ خارطة الطريق لإحياء الاقتصاد ليست معقّدة، بل تحتاج إلى قرار سياسي. تبدأ بفتح حسابات المصارف وكشف حقيقة الودائع وإعادتها مع فوائدها، ثم اعتماد الشفافية المطلقة في القطاع العام، وإلغاء القوانين الطاردة للاستثمار وإقرار قوانين صديقة له. والسماح بإنشاء مصارف جديدة تعيد المنافسة والثقة، شرط ألّا تعود المصارف نفسها مقنّعة. وبالتوازي، يجب دراسة الاستخدام الاستثماري المنظّم لبعض أصول الدولة، والأراضي غير المستثمرة، واحتياطات الذهب إلخ…

إذا اعتمد لبنان هذه الخارطة، فلن يكون بحاجة إلى مساعدة أحد، وعليه تجنّب اللجوء إلى صندوق النقد الدولي. ويبقى سؤال مشروع: كيف لمؤسسة تمتلك أدوات رقابة وتحليل متقدّمة أن تشيد لسنوات بسياسات رياض سلامة، من دون توجيه أدنى انتقاد لما ارتكبه؟ هل كانت تجهل أم اختارت ألّا ترى؟ من الصعب تصديق أنّها لم تلاحظ السياسات التي قادت إلى الانهيار، ثم منحتها شهادات ثقة طمأنت اللبنانيّين والمستثمرين. لذلك، فإنّ خلاص لبنان لن يأتي من وصفة خارجية، بل من قرار داخلي يقوم على كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وبناء دولة لا تخفي حساباتها، ولا تضيع حقوق الناس، ولا تتقن بعد اليوم فن تضييع الشنكاش.

 

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.