حل الأزمة المصرفية اللبنانية لا يحتاج لاحتياط مصرف لبنان من الدولارات أو الذهب
أولاً، استثمار الذهب لا يحلّ أزمة المصارف والاقتصاد. الأفكار المطروحة عن توظيف جزء من الذهب في الأسواق العالمية لإنقاذ الاقتصاد اللبناني من خلال استغلال عائداته في مشاريع بنيوية كالطرقات والكهرباء وغيرها، لن تعطي النتيجة المرجوّة. إنّ العائد الحقيقي للحافظات في الاستثمارات العالمية االمنخفضة المخاطر، سيكون سالباً بسبب معدّلات التضخّم في الاقتصاد اللبناني وتكلفة إدارة هذه الحافظات. هذا الأسلوب لن يحل أزمة المصارف والودائع. بالإضافة إلى أنّ الدولة اللبنانة الحالية، مصمِّمة على عدم المسّ بالذهب أو النقد الاحتياطي لمصرف لبنان، مع أنّ الأخير يعود للمودعين.
ثانياً، إنّ حلّ أزمة المصارف فعلياً لا يحتاج لأصول مصرف لبنان الأجنبية (ذهب أو عملة أجنبية)، ولمصرف لبنان الحق بالإحتفاظ بها للأجيال القادمة، إلّا إذا ارتأى مجلس النواب غير ذلك. هذا ينهي الجدل بين مَن يريد استعمال الذهب والاحتياطي النقدي لاسترداد الودائع، ومَن له موقف مغاير.
حلّ الأزمة المصرفية يحتاج بالدرجة الأولى إلى توفير السيولة بسعر الصرف الحرّ. ويبدأ الحل بالتحرير الكامل لسعر الصرف، وينهي دور سعري الصرف الثابتَين 89500 ليرة للدولار بعد تشرين 2019 و15000 ليرة لما قبله. والأخير يستهدف شطب الودائع بالدرجة الأولى. فإلغاء سعر الـ15000 ليرة للدولار سيُعوِّض عن انخفاض في سعر الصرف إذا حدث، خصوصاً إلى حين اتباع سياسات مالية منضبطة.
وتحرير سعر الصرف سيُعيد الثقة بالعملة الوطنية كما يعيد لها قيمتها الحقيقية، ويزيل الفرق بين العملتَين (الدولار والليرة) في التعامل في الأسواق على أساس سعر الصرف الحرّ. وتستعيد الليرة اللبنانية قوّتها. وسينهي هذا الإجراء الدولرة تدريجياً، ويسترد القيمة الحقيقية للودائع المحتجزة.
يحتاج الاقتصاد للدولار فعلياً لتغطية المعاملات مع الخارج، وهذا متوفّر في القطاع الخاص، والبرهان على ذلك أنّه، على رغم من حجز الودائع المخالف للدستور وقانون النقد والتسليف، استطاع القطاع الخاص تمويل معظم ما يحتاجه من السلع والخدمات المستوردة خلال الأزمة. لدى السوق الموازي الحالي سيولة كافية، وتظهر بتمويل الطلب الفائض على السلع الأجنبية الذي يتجاوز الـ16 مليار دولار سنوياً.
وتحرير سعر الصرف يساهم في تحقيق التوازن في ميزان المدفوعات والأسواق المالية، وينهض بالاقتصاد، ويجذب الاستثمار الأجنبي الخاص بالدرجة الأولى. وهذا ما نحتاجه أكثر من الاستدانة التي قد توقعنا في دوامة الدَين.
تحرير سعر الصرف لا يؤدّي إلى التضخّم وانخفاض سعر العملة كما يعتقد البعض، بل إنّ السياسات النقدية والمالية التوسعية تؤدي إلى ذلك. فإذا احتاجت المصارف لسيولة إضافية ستصدر صكوكاً لصالحها على أصولها في مصرف لبنان تُدفع بالليرة أو الدولار، وعليه أن يلتزم قانونياً بتلبية استحقاقاتها بالدولار أو الليرة.
ثالثاً، يجب تحرير السحب بالكامل للودائع بالدولار والعملة الوطنية للجميع، أفراداً وشركات. ويكون السحب من أي حساب بالدولار أو الليرة اللبنانية نقداً أو عن طريق الشيكات المصرفية، بطاقات الإئتمان، والتحويلات الإلكترونية الأخرى. وتبقى هذه الأموال حرّة في المصرف وفي الانتقال لتساهم في الدورة الاقتصادية والنمو.
تحرير سعر الصرف ورفع القيود على السحب سيوفّران السيولة للاقتصاد. حينذاك، السحب من الودائع يُسدَّد بالليرة أو الدولار، ولن يكون فرق بينهما في المعاملات المحلية. والطلب على الدولار أو الليرة سيُدفع بأي من العملتَين. إذ إنّ سوق الصرف الحرّ سيوفّر ما تحتاجه الأسواق من السيولة للعملتَين.
فتحرير سعر الصرف والودائع معاً سيدعم الحركة الاقتصادية، من خلال استعادة القدرة التنافسية للسلع والخدمات اللبنانية ودعم القدرة على الدفع في الخارج والداخل. وهما إجراءان أساسيان في الإصلاح، ومن دونهما سيستمر تدهور الاقتصاد اللبناني.
ستصنّف المصارف الودائع المحرَّرة بحسب رغبة المودع إلى ودائع جارية وودائع ادخارية (تتلقّى الأخيرة فوائد) كما كان سابقاً.
إنّ مصرف لبنان متردِّد بأخذ أي إجراء لتحرير سعر الصرف ورفع القيود على الودائع. بل على العكس من ذلك، تراجع عن السعر الحرّ الذي ساد في بداية الأزمة، وأصبح الإعتماد على السعرَين الثابتَين، كما ذكر. تثبيت سعر الصرف لعقود كان سبباً رئيسياً في الأزمة المالية والقضاء على دور المصارف في الوساطة المالية. حالياً، المصارف توقفت عن دورها كمُموِّل للاقتصاد ولجذب الادّخارات.
ولأنّ هذا التردُّد من قِبل مصرف لبنان مستمر، فلا بدّ لمجلس النواب من أخذ المبادرة على عاتقه، بتقديم مشروع قانون تحرير وتوحيد سعر الصرف للهيئة البرلمانية العامة، وكذلك لإزالة القيود على انتقال وتحويل الأموال.
إنّ تحرير سعر الصرف والسحوبات وتوفير السيولة، سيساهمان أيضاً في تمويل إعادة الإعمار من القدرات الذاتية للنازحين. من المؤسف أن ننتظر التوصُّل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي للبدء بالإصلاح، الذي يشترط شطب الودائع قبل اعتماد أي اتفاق معه، مع العلم أنّه لن يحدث في الظرف الحالي. لقد أخذ مجلس شورى الدولة موقفاً صارماً ضدّ شطب الودائع التي ستشكّل ضربة قاضية للدستور والاقتصاد إذا اعتُمد.
ختاماً، هذه الإجراءات إعلاه ضرورية لإعادة حقوق وثقة المواطن، للسير قُدماً على طريق الحل. لبنان بحاجة أيضاً لبرنامج إصلاحي شامل في جميع القطاعات والإدارات العامة، خصوصاً القضاء، والبنية التحتية، والمؤسسات العامة. على سبيل المثال لا الحصر، إصلاح الكهرباء وحده سيوفّر على الاقتصاد نحو 5 مليارات دولار سنوياً بسبب فارق الكلفة المرتفعة للمولّدات الصغيرة، بالإضافة إلى التكلفة البيئية.