اللبنانيّون يُعالجون أنفسهم بوصفات منزليّة… والذكاء الإصطناعي بديل عن الطبيب
لم يعد المرض في لبنان مجرد عارض صحي عابر، بل تحول إلى امتحان مالي قاس يهدد الاستقرار الاجتماعي، ويقود الكثيرين إلى الفقر أو الحرمان من العلاج. ففي ظل الانهيار الاقتصادي المتواصل، لم تعد كلفة الاستشفاء والدواء مجرد أرقام مرتفعة، بل باتت عبئا يفوق قدرة الغالبية الساحقة من اللبنانيين، خصوصا مع تآكل الأجور وغياب التغطية الصحية الفاعلة، فبات الوصول إلى الطبيب رفاهية والاستشفاء مغامرة قد تكلف العمر.
ورغم أن لبنان يعد تاريخيا من الدول ذات النظام الصحي المتقدم نسبيا في المنطقة، حيث يبلغ الإنفاق الصحي نحو 8 إلى 9% من الناتج المحلي، إلا أن الطابع الخاص يطغى على هذا القطاع مقابل ضعف الدعم الحكومي، ما أدى إلى هيمنة الخدمات الخاصة وارتفاع كلفتها، وبالتالي نشوء واقع صحي غير عادل يوفر علاجا متقدما لمن يملك القدرة على الدفع ، ويقصي غير القادرين عن حقهم في الرعاية.
بين المسكنات والذكاء الاصطناعي
أمام هذا الواقع، يتسلل تحول خطير إلى السلوك الصحي لدى المواطنين، حيث لم يعد الطبيب الخيار الأول بل الأخير. فالمواطن اللبناني بات يلجأ إلى معالجة نفسه بوصفات منزلية، واستشارات عشوائية، أو حتى بتجاهل المرض إلى أن يتفاقم.
تقول رانيا “صارلي شهر عم يوجعني راسي من الجهة اليسرى، ما رحت عند الدكتور لأن الكشفية غالية، باخد مسكن وبنام”.
أما سليم، فيجد طبيبه في التكنولوجيا على حد تعبيره “بسأل الذكاء الاصطناعي هو بيعطيني التشخيص والدواء، ومن دون ما أدفع قرش”.
ويروي عماد معاناته مع الأمراض المزمنة “عندي ضغط وسكري بس ما بقدر التزم بالدواء، بجيب اللي بقدر عليه، أوقات بشرب أعشاب وأوقات بوقف الدواء”.
تحذير: التأخر يفاقم المخاطر
وفي هذا المجال ، يقول طبيب في أحد مستشفيات جبل لبنان “عم نشوف مرضى بيجوا بحالات متقدمة، لأنهم تأخروا مش لأن المرض خطير من البداية”، مضيفا “في ناس بتوصل عالطوارئ بعد ما تكون جربت كل شي بالبيت، وقتها بيكون فات الأوان أو صارت الكلفة أعلى”.
وحذر من أن انتشار “الطب المنزلي” الذي “قد يفاقم المخاطر الصحية بشكل خطير، إذ يؤدي إلى تأخر تشخيص الأمراض الخطيرة، وظهور مضاعفات مزمنة. وان سوء استخدام الأدوية دون إشراف طبي ، إضافة إلى احتمال ارتفاع الوفيات غير المعلنة، ما يجعل ما يوفره المواطن اليوم من كلفة علاج، قد يتحول لاحقا إلى عبء صحي ومالي مضاعف”.
الأزمة بالأرقام
هذه الشهادات تختصر واقع آلاف اللبنانيين الذين وجدوا أنفسهم خارج مظلة الرعاية الصحية، يواجهون المرض بإمكاناتهم المحدودة، في ظل غياب شبه كامل لأي حماية فعلية.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس السابق للجنة الطبية في نقابة الأطباء الدكتور برنارد جرباقة أن “ارتفاع التكاليف والتضخم وصعوبة تأمين الأدوية، أدت إلى تراجع كبير في القدرة على الوصول إلى الخدمات الصحية، مع ارتفاع نسبة الصعوبة من 25% عام 2020 إلى 36% عام 2025 ، إلى جانب افتقار نحو 80% من السكان إلى تغطية صحية شاملة وتراجع جودة الرعاية وزيادة العبء على غير المؤمنين”.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن نحو 30% من الإنفاق الصحي في لبنان يدفع مباشرة من جيب المواطن، وهي نسبة تعد مرتفعة مقارنة بالعديد من الدول ، إلا أن الأزمة بعد الانهيار الاقتصادي باتت أكثر حدة، إذ يعيش أكثر من نصف اللبنانيين من دون أي تغطية صحية فعالة، فيما قد يضطر بعض المرضى إلى دفع ما يصل إلى 90% من كلفة العلاج، مع خروج فحوصات أساسية عن القدرة الشرائية، والنتيجة واقع صحي قائم على طبقتين: علاج متقدم لمن يملك المال، وبدائل محفوفة بالمخاطر لمن لا يستطيع تحمل الكلفة.
استهداف القطاع يعمق الأزمة
وزاد العدوان الإسرائيلي على القطاع الصحي من هشاشته، إذ أعلنت منظمة الصحة العالمية عن إغلاق 4 مستشفيات و51 مركزا صحيا في الجنوب، وتراجع قدرة عدد من المرافق الصحية.
كما حذرت الأمم المتحدة من تصاعد الهجمات على البنية التحتية الصحية، ما يفاقم معاناة المدنيين، ويهدد قدرة النظام الصحي على الاستجابة للاحتياجات الإنسانية.