النزوح يعيد رسم الخريطة الصحية

أعاد الضغط السكاني الكبير الناجم عن موجات النزوح رسم الخريطة الصحية للبلاد، عبر إعادة توزيع حادّة وغير متوازنة للمرضى، ما فرض إرهاقاً إضافياً على القطاع الصحي في ظل إمكانات محدودة أصلاً. وبين مناطق تستقبل أعداداً تفوق قدرتها الاستيعابية، وأخرى تفقد جزءاً من كوادرها وخدماتها، يجد الأطباء والمستشفيات والصيادلة أنفسهم أمام معادلة صعبة، لكنها لا تزال، حتى اللحظة، تحت السيطرة النسبية.

خلال الحرب، استشهد ثلاثة أطباء، فيما اضطر نحو 220 طبيباً إلى النزوح من مناطقهم، وفق نقيب الأطباء إلياس شلالا. في المقابل، لا تتوافر حتى الآن إحصاءات دقيقة عن عدد العيادات المتضرّرة أو الخارجة عن الخدمة، ما يعني أن جزءاً من القدرة الصحية فُقد فعلياً من دون تقدير كامل لحجمه.

ويكشف شلالا أن الضغط السكاني الأكبر يتمركز في جبل لبنان، حيث استقرّ عدد كبير من النازحين، ما أدّى إلى ارتفاع ملحوظ في عدد المُعاينات اليومية وزيادة ساعات العمل لدى الأطباء. أمّا في بيروت الكبرى، فبقي الضغط أقل نسبياً، نتيجة محدودية حجم النزوح إليها من جهة، ووجود مستشفيات أكبر حجماً من جهة أخرى، ما ساهم في امتصاص جزء من الطلب الإضافي. ولفت إلى أن الضغط على الأطباء تباين بحسب الاختصاصات، حيث تركّز الطلب الإضافي على أطباء الولادة، والأمراض الداخلية، والطب النفسي، إضافة إلى الأمراض الجلدية والجرثومية، نتيجة ظروف العيش في مراكز الإيواء وارتفاع معدّلات الأمراض المُعدِية.

وفي ما يخصّ ظروف النازحين الصعبة، يؤكّد شلالا أن قانون الآداب الطبية هو الذي يحدّد العلاقة بين الطبيب والمريض، بحيث تبقى العلاقة مباشرة بين الطرفين، ويمكن للطبيب أن يراعي الظروف الإنسانية في الأجور، سواء عبر عدم تقاضي أي بدل أو تخفيضه أو تحديده وفق إمكانات المريض، لافتاً إلى «أننا، كنقابة، ناشدنا الأطباء مراعاة ظروف الناس والتحسّس معهم، وأؤكّد أن غالبية الجسم الطبي تتفاعل بطريقة إنسانية بحكم الأوضاع». أمّا بالنسبة إلى الأطباء الذين تضرّرت عياداتهم، فتقتصر المعالجات، وفق النقيب، على إعادة توزيعهم على مستشفيات وعيادات أخرى، إضافة إلى تقديم مساعدات محدودة من النقابة، من دون وجود آلية تعويض فعلية عن الخسائر.

في موازاة ذلك، يشهد القطاع الاستشفائي ضغطاً متزايداً، وإن بقي ضمن حدود يمكن إدارتها حتى الآن. ويشير نقيب المستشفيات الخاصة بيار يارد إلى أن الإقبال ارتفع، لكنّ معظم النازحين يقصدون المستشفيات في الحالات الطارئة فقط، فيما تُؤجَّل العمليات غير المُستعجلة، ما يخفّف نسبياً من حدّة الضغط.

ولفت إلى أن أقساماً مُحدّدة، وفي مقدّمها أقسام الولادة، سجّلت زيادة في الطلب، وإن ضمن نسب مقبولة، خصوصاً أن بعض المستشفيات في المناطق المُعرّضة للهجمات واصلت عملها ولو بوتيرة منخفضة، مثل مستشفى الزهراء ومستشفى الرسول الأعظم. في المقابل، تعرّضت مؤسسات أخرى لأضرار جزئية، بينها مستشفى بهمن ومستشفى حيرام ومستشفى صلاح غندور.

الصيدليات من جهتها، نالت حصتها الكبيرة من تداعيات الحرب. وبحسب نقيب الصيادلة عبد الرحمن مرقباوي، تمّ إحصاء أكثر من 150 صيدلية متضرّرة بشكل مباشر وغير مباشر، إضافة إلى صيدليات في مناطق يتعذّر الوصول إليها. وفي إطار دعم الصيدليات المتضرّرة، فُتح باب التبرعات على أن تُخصّص المبالغ المُجمعة لمساعدتها على الاستمرار وضمان استمرارية الخدمة الدوائية في مختلف المناطق.

ويشرح مرقباوي كيفية تكيّف القطاع مع الضغط السكاني الناتج من النزوح، لافتاً إلى أن الأسبوع الأول من الحرب شهد ضغطاً غير مسبوق أدّى إلى استنزاف المخزون وارتفاع الطلب بشكل كبير على الوكلاء. لكن بدءاً من الأسبوع الثاني، جرى احتواء الأزمة بالتنسيق مع وزارة الصحة والوكلاء، عبر رفع حجم الطلبيات إلى ما يقارب مرة ونصف مرة المعدّل الطبيعي لكل صيدلية. كما دُعي الصيادلة إلى تزويد المرضى بكميات تكفي لشهر واحد فقط، تفادياً لخلق نقص إضافي في السوق.

Leave A Reply

Your email address will not be published.