«سوق القلق»: 300% زيادة في الإقبال على المُهدِّئات

تُظهِر الأرقام المُتداولة بين الصيادلة، والتي تشير إلى ارتفاع يصل إلى 300% في الطلب على المُهدِّئات، اتجاهاً واضحاً: الحرب دفعت أعداداً متزايدة من اللبنانيين نحو الأدوية العصبية كاستجابة مباشرة لقلقٍ تجاوز حدود الاحتمال. فمنذ اللحظات الأولى للحرب، تسلّل الخوف إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتحوّل النوم إلى معركة، ما دفع كثيرين إلى الصيدليات بحثاً عن هدنة مؤقّتة مع الأرق.

يصف صيادلة الإقبال على هذه الأدوية بأنه «موجة غير مسبوقة»، خصوصاً في مناطق النزوح. فمع تصاعد وتيرة الحرب، عجز كثيرون عن استيعاب الضغط النفسي، ما أدّى لدى بعضهم إلى نوبات هلع نتيجة التعرّض المباشر أو غير المباشر للقصف. ويؤكد نقيب صيادلة لبنان عبد الرحمن مرقباوي أن هذا السلوك، رغم حدّته، يبقى ردّ فعل طبيعياً على واقع استثنائي.

يلفت الصيدلي سهيل الغريب إلى أن السؤال الأكثر تكراراً على ألسنة الزبائن اليوم هو: «في شي لنقدر ننام؟». ولم يعد هذا الطلب محصوراً بفئة محدّدة، بل يشمل مختلف الأعمار، مع تركيز على الأدوية المُنوِّمة ومُهدِّئات الأعصاب. ويوضح الصيدلي محمد الحسيني أن «الطلب الأكبر هو على الأدوية التي تحفّز النوم»، أو ما يُطلق عليها Hypnotic drugs (sleeping pills) التي يلجأ إليها الناس بكمية كبيرة، وكذلك مُهدِّئات الأعصاب مثل «كزاناكس» و«لكزوتانيل» ومجموعة «pregabalin»، إضافة إلى ارتفاع الطلب على الأدوية المخدّرة التي تحتوي على مادة «ترامادول».

وبسبب هذا الإقبال، وبسبب استغلال البعض كالمدمنين لرواج «سوق القلق»، يحاول بعض الصيادلة الحدّ من الانزلاق نحو الاعتماد الدوائي، عبر اقتراح بدائل أخفّ كالمتمّمات أو الأعشاب، خصوصاً في ظل مخاوف من الإدمان. كما يلتزمون تشدّداً في صرف الأدوية التي تحتاج إلى وصفات، عبر التحقّق من مصدرها وهوية المريض.

ورغم غياب أرقام دقيقة حول حجم الاستهلاك، يؤكّد نقيب مستوردي الأدوية جوزيف غريب أن الطلب من الصيدليات على هذه الأدوية ارتفع بشكل ملحوظ، إلا أن ذلك «ليس معياراً، وربما لا يعكس الواقع. فقد يكون هناك طلب كبير من الصيدليات لزيادة المخزون من دون أن يكون ذلك مرتبطاً بزيادة الاستهلاك»، لافتاً إلى أن «من المبكر تأكيد أو نفي هذا الأمر قبل ثلاثة إلى أربعة أشهر».

 

صدمة الدماغ تُغذّي القلق

تُجمِع إفادات الصيادلة على أنّ الإقبال على المُهدِّئات هذه المرّة يفوق بكثير ما سُجّل في الحروب السابقة، في ظاهرة تعكس ضغطاً نفسياً متراكماً لا يرتبط باللحظة الراهنة فقط. وتوضح الاختصاصية في علم النفس التربوي، الدكتورة أمل شكر، أنّ ما يحدث اليوم هو امتداد لمسار بدأ في الحرب الماضية من دون أن يُمنح الناس فرصة فعلية للتعافي. فـ«لم تكن هناك فسحة راحة، والبيوت بقيت مُهدّمة، والناس عاشوا تحت ضغط دائم»، قبل أن تأتي جولة جديدة أكثر عنفاً.

وتلفت شكر إلى عامل إضافي يتمثّل بتكرار الخسارات البشرية، إذ فقد كثيرون أحبّاء في الحرب السابقة، ليواجهوا فقداناً جديداً في الحالية، ما أدخل الدماغ في حالة صراع مستمر. في هذه الحالة، يصل الدماغ إلى «مرحلة الصدمة»، فيرفع منسوب القلق والخوف كآلية إنذار، ومع تجاوز القلق حدوده الطبيعية، يفقد قدرته على التكيّف، ويدخل في وضع دفاع دائم يشبه «حالة الطوارئ».

ضمن هذا السياق، يصبح اللجوء إلى المُهدِّئات خياراً سريعاً لدى البعض لاحتواء التوتر. إلا أن شكر، كما غيرها من الاختصاصيين، تدعو إلى بدائل أكثر أماناً، مثل تقنين التعرّض للأخبار عبر تجميعها في أوقات مُحدّدة، بدلاً من المتابعة المستمرة التي تُبقي الدماغ في حالة استنفار. وتؤكد أن الانخراط في أنشطة يومية بعيدة عن الأخبار يمنح الدماغ فرصة للراحة، ويساعده على استعادة قدرته على التوازن.

Leave A Reply

Your email address will not be published.