د. بلال كبريت الوعي خط الدفاع الاخير

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه الروايات، لم تعد المعارك تُخاض فقط على الأرض، بل باتت تدور في عمق العقول. لم يعد الخطر محصورًا في السلاح، بل في الكلمة، في الصورة، وفي الفكرة التي تُزرع بصمت وتترسخ دون أن نشعر.

نعيش اليوم في واقع تُعاد صياغته أمامنا باستمرار، حيث يرى كلٌّ منا جزءًا من الحقيقة يوافق قناعته، لا حقيقتها الكاملة. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: هل نمتلك القدرة على التمييز، أم نكتفي بما يُعرض علينا دون مساءلة؟

ليست المشكلة في الاختلاف، بل في تعطيل العقل لصالح العاطفة، وفي الاستسلام لخطاب يُريحنا بدل أن يدفعنا للتفكير. فالعقل الذي لا يُمارس نقده، يتحول تدريجيًا إلى تابع، مهما ظنّ نفسه حرًا.

الوعي اليوم لم يعد خيارًا، بل ضرورة. والحرية الحقيقية لا تُقاس بما نقوله، بل بقدرتنا على التفكير المستقل، وعلى مراجعة ما نؤمن به قبل الدفاع عنه.

أما المجتمعات، فلا تُبنى على التطابق، بل على إدارة الاختلاف بوعي ومسؤولية. فالوحدة التي تُقصي التنوع هشّة، بينما التعدد حين يُدار بعقل، يصبح مصدر قوة لا ضعف.

لقد أثبتت التجارب أن الانجرار الأعمى خلف أي خطاب، مهما كان بريقه، قد يُكلف الشعوب أثمانًا باهظة. وما يُكشف لاحقًا من حقائق، غالبًا ما يأتي بعد فوات الأوان.

إن التغيير الحقيقي لا يبدأ من الشعارات، بل من وعي الأفراد. من قدرتهم على التمييز، وعلى رفض أن يكونوا أدوات في صراعات لا يفهمون أبعادها كاملة.

في النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة رغم كل التعقيد: لا يمكن بناء وطنٍ بعقول مُعطّلة، ولا بحناجر تردد دون أن تفهم، ولا بولاءات تتجاوز مصلحة الناس.

الخيار دائمًا كان وسيبقى: إما وعيٌ يحمي، أو اندفاعٌ يُكلف الكثير

Leave A Reply

Your email address will not be published.