لبنان بين تثبيت السيادة وقطار IMEC
يقف لبنان اليوم أمام لحظة استراتيجية نادرة تختصرها معادلة واحدة: تثبيت الدولة أمنيًا شرط العودة إلى الخريطة اقتصاديًا. فبين مؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس ورغبة بيروت في الانخراط ضمن مبادرة الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، يتكشّف مساران متوازيان في الشكل، متلازمان في الجوهر. لا يمكن للبنان أن يحجز موقعًا في شبكة الممرّات الكبرى إذا بقيت دولته معلّقة بين القرار والتنفيذ، ولا يمكن للدعم الدولي أن يتحوّل إلى رافعة فعلية إذا لم يُترجم إلى سيادة واضحة ومؤسسات ممسوكة.
مؤتمر باريس في 5 آذار 2026 لا يُقرأ كمحطة بروتوكولية، بل كاختبار جدّي لقدرة الدولة على تثبيت عمودها الفقري: الجيش. فالمؤسسة العسكرية اليوم ليست مجرد جهاز أمني، بل صمّام أمان الاستقرار الداخلي، وضمانة حماية الحدود والبنى التحتية، والركيزة الأولى في أي مسار لحصرية السلاح بيد الدولة. المجتمع الدولي يربط دعمه بوضوح بين استمرار الاستقرار وبين التزام لبنان بإصلاحات مالية وإدارية تعيد بناء الثقة. الرسالة واضحة: الدعم مستمر طالما الدولة قادرة على الإمساك بقرارها.
في المقابل، تبرز مبادرة IMEC كمشروع يعيد رسم خرائط التجارة بين آسيا وأوروبا عبر شبكة نقل متعددة الوسائط تجمع البحر بالسكك الحديد، وتدمج الطاقة والربط الرقمي ضمن رؤية استراتيجية أوسع. المبادرة ليست اتفاقًا تجاريًا تقليديًا، بل إطار تعاون يعكس تحوّلًا عالميًا نحو ممرّات بديلة تختصر الزمن والكلفة وتعيد توزيع مراكز الثقل الاقتصادي. حجم التجارة بين الهند وأوروبا يقدّر بمئات مليارات الدولارات سنويًا، وأي مسار يسرّع حركة هذه التجارة سيخلق عقدًا استراتيجية جديدة في المنطقة.
بالنسبة إلى لبنان، الانخراط في هذا المسار قد يعيد إحياء دوره التاريخي كبوابة متوسطية. مرفآ بيروت وطرابلس، إذا أُعيد تأهيلهما وفق معايير حديثة، قادران على استعادة وظيفة لوجستية متقدمة في التخزين وإعادة التصدير والخدمات البحرية. غير أن هذه الإمكانية تبقى مشروطة بإصلاحات عميقة في الإدارة الجمركية، وتحديث البنى التحتية، وتأمين بيئة استثمار مستقرة. فالممرّات الكبرى لا تمرّ في الدول الهشة، بل في الدول القادرة على حماية بنيتها الحيوية وضبط قرارها السيادي.
هنا يتقاطع الأمن بالاقتصاد بصورة حاسمة. حماية المرافئ وخطوط الطاقة والكابلات الرقمية ليست مسألة تقنية، بل مسألة سيادة. من دون استقرار أمني صلب، لن يتحوّل أي مشروع اقتصادي إلى فرصة فعلية. ومن دون ورشة إصلاح جدية، لن يكون الانخراط في المبادرات الكبرى سوى عنوان سياسي بلا مضمون تنفيذي.
لبنان اليوم أمام خيار واضح: إما أن يستثمر لحظة الدعم الدولي ليُرسّخ سلطة الدولة ويطلق مسارًا إصلاحيًا متكاملًا يواكب طموحه الاقتصادي، وإما أن يبقى خارج التحولات فيما تُرسم خرائط المنطقة من حوله. في زمن الممرّات الكبرى، لا يكفي أن يكون الموقع الجغرافي مميزًا؛ المطلوب دولة قادرة. وعندما تستعيد الدولة قرارها، يصبح العبور ممكنًا – لا كأرض عبور للآخرين فحسب، بل كشريك فاعل في صناعة مستقبل المنطقة.