الضرائب بين السيادة والإصلاح

عندما تقرر الحكومة زيادة رواتب موظفي القطاع العام، فإنها في ظاهر الأمر تستجيب لمطلب اجتماعي، في ظل تآكل القدرة الشرائية وتضخم غير مسبوق. غير أن قرار تمويل هذه الزيادة من جيوب المواطنين، يُظهر التناقض بين منطق الإنصاف الاجتماعي ومنطق الجباية السهلة. فبدلًا من أن تُموَّل الزيادة من إصلاحات بنيوية تبدأ بإعادة هيكلة القطاع العام وتحدّ من الهدر، ثم من استعادة الأموال المنهوبة، أو من ضبط مزاريب الفساد، يجري تحميلها للناس الذين يرزحون أصلاً تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة.

التوقف عند هذين القرارين ليس موقفًا سياسيًا، بل ضرورة أخلاقية، خصوصًا في ضوء التعهدات التي أطلقها الرئيسان جوزاف عون ونواف سلام منذ وصولهما إلى سدّة المسؤولية. فقد تعهدا برفع لواء السيادة والإصلاح ومكافحة الفساد.

الواقع على الأرض لا يشي بتحوّل جذري. فـ”حزب الله” ما زال يمسك بمفاصل القوّة الفعلية، فيما تبدو الدولة كأنها تمارس سيادتها ضمن الهامش الذي يرسمه لها “الحزب”. فإذا كانت السيادة تعني أولًا حصر السلاح بيد الشرعية، إلّا أنه لا يمكن الحديث عن إصلاح في ظل ازدواجية السلاح والقرار. بدلًا من مقاربة جذرية تزيل العوائق البنيوية، تبدو الحكومة وكأنها تعيد إنتاج وصفات قديمة: حلول ترقيعية، تسويات ظرفية، وإدارة للأزمة بدل حلّها. إنها المقاربة ذاتها التي كرّست نفوذ قوى الفساد والسلاح على مدى سنوات، والتي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه. المفارقة أن السلطة الحالية التي وعدت بالتغيير، هي اليوم أقرب إلى التكيّف مع النهج ذاته القائم على ترحيل الأزمات إلى جيوب المواطنين بدل معالجتها من جذورها.

في هذا السياق، لا بد من الإشارة أيضًا إلى أن المجتمعين العربي والدولي لم يعودا ينظران إلى لبنان بعين العاطفة، بل بمنظار المصالح والمعايير. المساعدات والاستثمارات مشروطة بسيادة كاملة، وبورشة إصلاح فعليّة. وحتى الآن، لم تظهر السلطة استعدادًا جديًا لاتخاذ القرارات الصعبة في هذين المسارين.

أما في ملف الإصلاح والفساد، العنوان الذي طالما استُخدم لاستنهاض الرأي العام، فلا يزال اللبنانيون ينتظرون من الرئيسين عون وسلام مؤشرات جدّية في هذا الإتجاه، لكن دون جدوى. كما إنهم يريدون أن يصدقوا أن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى، لكن حتى اللحظة، لا يوجد فاسد واحد خلف القضبان، ولا رسالة حازمة بأن المحاسبة أصبحت قاعدة لا “حرتقات” لغايات سياسيّة.

كان يفترض بالحكومة قبل إقرر الزيادات لموظفي القطاع العام، مقرونة بحزمة ضرائب، أن تبدأ بإصلاح الإدارة العامة بعد سنوات طويلة من التوظيف السياسي والمحسوبيات حوّلت مؤسسات الدولة إلى عنوان للتنفيعات. جزء غير قليل من الموظفين دخل الوظيفة العامة بلا معايير شفافة، بل بغطاء حزبي أو طائفي، ما جعل بعض الإدارات مثقلة بتضخم وظيفي.

إعادة الهيكلة لا تعني صرفًا عشوائيًا، بل اعتماد معايير ترتكز على الحاجة والتقييم والكفاءة. لكن مثل هذا المسار يتطلب قرارًا سياسيًا بمواجهة شبكات المصالح التي تعتبر القطاع العام “تنفيعة” وخزانًا انتخابيًا ورافعة نفوذ. وحين تختار الحكومة الطريق الأسهل، أي زيادة الضرائب، فهي عمليًا تتجنب الاشتباك مع رُعاة الفساد. وبدل تنقية القطاع العام، تعمل على مكافأة الفاسدين فيه بزيادة رواتبهم.

زيادة الرواتب وتمويلها من جيوب الناس، ليست خيارًا إصلاحيًا، بل سياسي بامتياز: يجنب السلطة كلفة الصدام مع مراكز الفساد، ويحمّلها للقمة عيش الفئات الأضعف.

Leave A Reply

Your email address will not be published.