60 ألف عائلة مستفيدة من برنامج أمان يسألون وزارة الشؤون الاجتماعية: أين أصبحت ملفاتنا؟
منذ سنوات، شكّل برنامج دعم الأسر الأكثر فقرًا في وزارة الشؤون الاجتماعية إحدى أبرز أدوات الدولة اللبنانية لمواجهة الفقر المتصاعد. ومع إطلاق برنامج “أمان”، ارتفعت الآمال بإرساء شبكة حماية أكثر عدالة وشفافية، تنصف اللبنانيين في ظلّ الانهيار الاقتصادي. إلّا أن الواقع اليوم يطرح أسئلة جدية حول آلية التنفيذ، ومعايير الاستفادة، والتخبّط الذي يحيط بملف بات يمسّ حياة عشرات آلاف العائلات.
بدأ برنامج “أمان” منذ عام 2021، سبقه إطلاق مشروع دعم الأسر الأكثر فقرًا الذي ترافق مع إدخال موظفين إلى وزارة الشؤون الاجتماعية منذ العام 2012. وعلى مرّ السنوات، شهد البرنامج تعديلات إدارية وبشرية، وصولًا إلى إطلاق برنامج “أمان” الذي جاء بالتوازي مع برامج دعم النازحين السوريين، والمموّلة من المجتمع الدولي.
ومع تصاعد النقمة الداخلية، نتيجة شعور شريحة واسعة من اللبنانيين بأنهم أكثر حاجة من غيرهم، تمّ توسيع قاعدة المستفيدين اللبنانيين، ليصل العدد إلى نحو 160 ألف عائلة، بمساعدات تقارب 25 دولارًا للفرد و 20 دولارًا للعائلة.
في أواخر العام الماضي، أعلنت الوزارة عن إعادة تقييم شاملة للأسر المستفيدة، بهدف تصحيح الخلل: حذف غير المستحقين وإدخال عائلات أكثر حاجة. خطوة بدت ضرورية نظريًا، خاصة في ظلّ معلومات عن استفادة بعض العائلات الميسورة نتيجة المحسوبيات والوساطات، لكن التطبيق جاء مرتبكًا. حيث بدأت الكشوفات الميدانية للمستفيدين، في حين اكتفى بعض الموظفين باتصالات هاتفية، ما يطرح علامات استفهام حول دقة التقييم وعدالته، والأخطر أن العديد من الموظفين أنفسهم لا يملكون تفسيرًا واضحًا لنتائج القبول أو الرفض وفق مصادر متابعة.
وأكدت المصادر لـ “نداء الوطن” أنه كان من المفترض، بعد رأس السنة، أن يتمّ البت بالطلبات التي تمّ تقييمها، وفتح باب التسجيل لأسر جديدة إلّا أن شيئًا من ذلك لم يحصل. فبعد مرور نحو أربعة أشهر، لا تزال آلاف الطلبات “قيد الدراسة”، رغم انتهاء الزيارات والتقييمات منذ فترة.
وفي موازاة ذلك، كشفت وزيرة الشؤون أن عدد المستفيدين تراجع إلى نحو 100 ألف عائلة، ما يعني أن 60 ألف عائلة خرجت من دائرة الدعم، دون توضيح كافٍ للمعايير أو الأسباب. ومع اندلاع الحرب مؤخرًا، برز تبرير رسمي بأن الأولوية باتت للنازحين، ما أدّى إلى تأخير البت بالطلبات. غير أن هذا التبرير لا يبدو مقنعًا بالكامل للأسر التي توقف دعمها، إذ إن عملية التقييم بدأت قبل الحرب، والتأخير كان قائمًا أساسًا.
وما يزيد من الغموض وفق المصادر هو التفاوت في التعامل. فهناك عائلات نازحة سجّلت على المنصة التي أطلقتها الوزارة، وقبضت المساعدات وهي في منازلها، فيما هناك نازحون فعليون في مراكز الإيواء لم يحصلوا على شيء، كذلك هناك مستفيدون جدد حصلوا على تحويلات دون كشوفات ميدانية كونهم مسجلين على أنهم نازحون لدى الوزارة منذ الحرب الماضية، وفي المقابل تمّ إلغاء ملفات عائلات كانت تستفيد منذ سنوات. وتشير المصادر إلى أن المشكلة تفاقمت بعد دمج برنامج “أمان” مع برامج الوزارة (الأسر الأكثر فقرًا)، فبعد أن كانت لكل برنامج آلية واضحة، أدّى الدمج إلى حالة من التخبّط والتضارب في قواعد البيانات، وغياب معايير موحّدة للتقييم، إضافةً إلى قرارات متناقضة بحق الحالات نفسها.
وتابعت المصادر أن بعض المستفيدين تمّ تخفيض مساعداتهم بعد الكشف، ثم إيقافها لاحقًا بشكل كامل، دون تفسير واضح، في الوقت الذي تؤكد فيه الوزارة، في بياناتها ومؤتمراتها، التزامها بالبعد الإنساني، ويعيش اليوم عشرات آلاف العائلات تحت خط الفقر المدقع، بانتظار قرار لم يأت بعد.
منذ ثلاث سنوات، كانت عائلة محمد في بعلبك تعتمد بشكل أساسي على المساعدة الشهرية التي تتقاضاها من برنامج “أمان”، الرجل الذي يعمل بالأجر اليومي ويعيل أربعة أولاد وأمهم، وجد في هذه المساعدة الحدّ الأدنى لتأمين الطعام. لكن بعد زيارة ميدانية قبل أشهر، توقف الدعم بشكل مفاجئ، من دون أي تفسير، ويقول: ما تغيّر شي بحياتي بالعكس، الوضع صار أصعب، بس فجأة قالوا ما بقى إلي حق.
أكثر من 60 ألف عائلة خرجت من الدعم خلال أشهر قليلة، وعشرات الآلاف بحاجة لمساعدة في بلد تتآكل فيه القدرة الشرائية يوميًا، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تحوّل “أمان” من شبكة حماية اجتماعية إلى ملف إداري معقد تغلب عليه المحسوبيات والارتجال؟
وبين الحاجة الملحّة للإصلاح، وغياب الشفافية في التطبيق، يبقى برنامج “أمان” أمام اختبار حقيقي فإما أن يستعيد دوره كشبكة أمان للفئات الأكثر ضعفًا، أو أن يتحوّل إلى نموذج إضافي عن إدارة الأزمات في لبنان، حيث تضيع الحقوق بين التأخير والمحسوبيات.