اعفاءات الجنوب على الورق… والمتضرّرون يدفعون الثمن: ما حقيقة فواتير الكهرباء؟
في وقتٍ تنتظر فيه المناطق الجنوبية خطوات فعلية تخفّف عنها ثقل الدمار والضغوط المعيشية التي خلّفها العدوان، أقرّ مجلس النواب قانوناً يقضي بمنح اعفاءات للمتضررين من رسوم الخدمات العامة، باعتباره إجراءً طارئاً وضرورياً لدعم صمود الأهالي. ورغم أن هذا القرار كان مفترضاً أن يشكّل بارقة أمل وسط مشهد الإنهاك الاجتماعي والاقتصادي، إلّا أنّ تطبيقه على الأرض بدا متعثّراً، بل ومتناقضاً مع روحيته الأساسية. إذ واصلت مؤسسة كهرباء لبنان جباية الفواتير في بعض المناطق التي صنّفها القانون كمهدّمة ومشمولة بالاعفاءات، ما أثار موجة استهجان شعبية وطرحاً جدّياً لمبدأ احترام المؤسسات العامة للقرارات التشريعية.
هذا الالتباس بين النصّ القانوني والممارسة الفعلية أعاد فتح النقاش حول آليات تنفيذ القوانين في لبنان، ودور المؤسسات الرسمية في حماية المواطنين لا تحميلهم أعباء إضافية، خصوصاً في لحظة تعيش فيها المنطقة على وقع الخسائر البشرية والمادية. وبين وعود الدولة وواقع التنفيذ، يجد الجنوبيون أنفسهم أمام سؤال أساسي: هل يمكن للقوانين أن تترجم دعماً فعلياً إذا بقيت المؤسسات المنوط بها التنفيذ خارج إطار المساءلة أو غير ملتزمة بتوجيهات السلطة التشريعية؟
وزارة الطاقة: «الكهرباء» مسؤولة عن الفواتير
من جهتها، قالت مصادر وزارة الطاقة والمياه لـ«اللواء» «إن مسؤولية الفواتير تقع على مؤسسة كهرباء لبنان»، مشيرةً إلى أن «هناك قرارا حكوميا ينظم آلية الاعفاءات، لكن المؤسسة هي الجهة المخوّلة بالتحصيل مباشرة». وأضافت المصادر أن «وزارة الطاقة تقوم بدور الإشراف والوصاية على المؤسسات العامة، لكنها ليست من يحدّد مواعيد بدء عمليات الجباية».
كهرباء لبنان توضح…
بدوره، أوضح المدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان، المهندس كمال حايك، في حديث لـ «اللواء» أن «حين صدر القانون، كانت الفواتير موزعة على الجباة. بعد صدور القانون، توقف إعطاء الفواتير للجباة، لا سيما بعدما صدرت المراسيم التطبيقية. كل الأبنية المدمرة لها وضع خاص، فلقد توقفنا عن إصدار الفواتير غير الاعفاءات التي صدرت. على سبيل المثال، لدينا حوالي 700 إعفاء في منطقة الضاحية الجنوبية لأشخاص لديهم وضع خاص، أي أن إصدار فواتيرهم توقف منذ زمن».
ويتابع: «قد اتُخذ قرار بوقف إصدار فواتير عام 2025، ولكن يتم إصدار فواتير سنوات 2023 و2024 لحين صدور المراسيم التطبيقية التي ستحدد بوضوح ما يجب تنفيذه، إن كان سيتم رد الرسوم فقط، أو الاستهلاك فقط، أو سيشمل القرار رد الرسوم والاستهلاك معا».
متضرر: «العدو علينا… والدولة علينا»
ويعبّر أحد المواطنين الذي دُمّر منزله بالكامل عن استيائه الشديد من أداء الدولة اللبنانية، قائلا: «جابي الكهرباء جلب لنا فواتير ما قبل الحرب وما بعدها، وكأن شيئا لم يحدث. بيوتنا مدمّرة، جدرانها مفتوحة على السماء، ولا ماء ولا كهرباء… فكيف للمنطق أن يطلب منا أحد أن ندفع؟ بأي حق تُطالَب عائلات منكوبة ببدلات خدمات لم تعد موجودة أصلاً؟».
هذا الصوت الغاضب لا يعبّر عن حالة فردية، بل يلخّص شعورا عاما يتردّد في معظم البلدات المتضررة، حيث يشعر الأهالي بأنهم تُركوا يواجهون مأساتهم وحدهم، فيما تستمر المؤسسات الرسمية بتصرّفات لا تراعي ظروفهم القاسية ولا حجم الخسائر التي أصابتهم.
من هنا، يعيش أهالي المناطق المتضررة من الحرب والاعتداءات حالة من الغضب والاستياء العميق، كما صرّح عدد من الأهالي «بسبب وصول فواتير الكهرباء فجأة، في وقت ما زالت فيه منازلهم مدمرة أو جزئيا غير صالحة للسكن»، حيث يؤكد السكان أن «هذه الفواتير تبدو لهم غير منطقية، إذ يطالبون بدفع رسوم على خدمات لم يعودوا قادرين على الاستفادة منها، وسط غياب المياه والكهرباء أحيانا والدمار الذي طال المنازل بالكامل».
وفي سياق متصل، يشير الأهالي إلى أن «هذا الإجراء يعكس تجاهلا لمعاناتهم ويزيد من أعبائهم اليومية، بينما تنتظر الأسر التي هجّرت أو فقدت مساكنها أي دعم حكومي أو تسهيلات حقيقية تساعدهم على استعادة حياتهم الطبيعية. ويخشى البعض من أن استمرار هذه الجباية قد يؤدي إلى تفاقم الوضع الاجتماعي والاقتصادي في المناطق المتضررة، ويزيد من الاحتقان الشعبي ضد المؤسسات الرسمية».
في نهاية المطاف، تبقى تجربة الأهالي في المناطق المتضررة مرآة صادقة لحجم التحدّيات التي تواجه الدولة اللبنانية في ترجمة القوانين إلى واقع ملموس. فبين وعود التشريع وممارسات المؤسسات، يجد المواطن نفسه أحيانا محاصرا بين الخراب والجباية، متسائلا عن جدوى القوانين إذا لم تُنفَّذ بحزم وعدالة. وعلى الرغم من هذه الصعوبات، يظل الأمل معلّقا في قدرة الدولة على إصلاح مسار التنفيذ، وضمان أن تصبح الاعفاءات أكثر من مجرد نص على الورق، بل حماية فعلية لحقوق المتضررين وصمودهم أمام كل تلك التحديات.