لبنان بين إدارة الأزمة وإعادة بناء الدولة.. قراءة في الواقع الاقتصادي والمالي ورؤية للخروج من الأزمة
لبنان اليوم لا يواجه أزمة مالية تقليدية تُعالج بتثبيت سعر الصرف أو ضخ السيولة، بل أزمة نموذج اقتصادي ومالي وإداري وسياسي تراكمت أسبابها لعقود، وانفجرت منذ عام 2019، ثم عمّقتها الأزمات الأمنية والسياسية. لذلك، ليس السؤال كيف نعود إلى لبنان ما قبل الأزمة، بل كيف نبني دولة واقتصادًا لا يعيدان إنتاجها. فالإنقاذ لا يعني استعادة نموذج قائم على الاستدانة والريع، بل الانتقال إلى الإنتاجية والشفافية والمساءلة.
اعتمد النموذج السابق على الإنفاق العام المرتفع والاستدانة والتدفقات الخارجية والخدمات والسياحة والتحويلات، مقابل ضعف القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية والإدارة العامة. ومن دون إصلاح جذري للدولة التي تنتج العجز والهدر، لن تكفي إعادة هيكلة المصارف أو الدين العام. المشكلة في نظام الحوافز الذي سمح باستمرار سوء الإدارة، وليس في الأشخاص وحدهم.
يدفع المواطن ثمن هذا الانهيار عبر تراجع القدرة الشرائية وتآكل الطبقة الوسطى، التي تشكل ركيزة الاستهلاك والاستثمار وتأسيس المؤسسات وتكوين الكفاءات. وقد ساهمت الدولرة في الحد من الفوضى النقدية، لكنها كرّست تفاوتًا بين أصحاب المداخيل بالدولار ومن لا تواكب مداخيلهم كلفة الحياة. المطلوب ليس محاربة الدولرة، بل تأمين دخل حقيقي يتناسب مع الأسعار؛ فلا معنى لاستقرار نقدي لا يحمي القدرة الشرائية.
وتبقى أموال المودعين الاختبار الأوضح للعدالة والمسؤولية. السؤال ليس فقط أين ذهبت الأموال، بل من يتحمل الخسائر وبأي تسلسل قانوني. لا يجوز اعتبار المودع الحلقة الأسهل لتحميلها الكلفة. يجب تحديد حجم الخسائر والمسؤوليات بشفافية، وتحميل المساهمين والمخاطر الاستثمارية مسؤولياتها قبل المودعين، مع احترام الالتزامات القانونية. ولا توجد حلول سحرية لإعادة عشرات المليارات فورًا، لكن صعوبة الاسترداد لا تعني سقوط الحقوق. المطلوب آلية واقعية وتدريجية لاستعادة الحقوق، بعيدًا عن الوعود السياسية.
إعادة هيكلة المصارف ضرورة، لا دعوة إلى تصفية القطاع. ينبغي التمييز بين المصارف القابلة للاستمرار، وتلك المحتاجة إلى رسملة أو دمج، وتلك غير القابلة للحياة. والقطاع المنشود أكثر رسملة وتخصصًا وشفافية وانضباطًا في إدارة المخاطر، وأقل اعتمادًا على تمويل الدولة. فلا عودة للائتمان من دون استعادة الثقة بالمصارف.
أما المالية العامة، فلا تُصلح بزيادة الضرائب على المواطن والمؤسسة الملتزمين. الأولوية لمكافحة التهرب الضريبي والهدر، وتحسين الجمارك والتحصيل، وتوسيع القاعدة الضريبية ومعالجة خسائر المؤسسات العامة والاقتصاد النقدي. ولبنان لا يحتاج دولة أكبر بل أكثر فاعلية: إدارة رقمية شفافة، تقيس الأداء، وتبسط المعاملات، وتخضع للمساءلة، وتحفظ حقوق الموظفين من دون تكريس التضخم واللا إنتاجية.
اقتصاديًا، لا ينبغي إلغاء مكامن القوة التقليدية في الخدمات والسياحة والمصارف، بل تنويعها بخمسة محركات: الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؛ الخدمات الطبية المتخصصة؛ التعليم والاقتصاد المعرفي؛ السياحة ذات القيمة المضافة؛ والزراعة والصناعات الغذائية والمتخصصة. ميزتنا التنافسية ليست في الإنتاج الأرخص، بل في المعرفة والمهارة والابتكار ورأس المال البشري.
ويجب أن يصبح القطاع الخاص محرك النمو، فيما تتحول الدولة من مالك ومشغل إلى منظم وضامن لبيئة الاستثمار. فلا يستطيع المستثمر العمل مع كهرباء غير مستقرة وقضاء بطيء وقوانين متقلبة ومصارف عاجزة عن التمويل. وإصلاح الكهرباء والجمارك والقضاء والإدارة والمصارف أكثر جذبًا للاستثمار من أي حملة ترويجية أو مؤتمر خارجي.
الخطر الأكبر هو هجرة الشباب والكفاءات. فالديون تُعاد هيكلتها والمباني تُرمم، أما خسارة الطبيب والمهندس والباحث ورائد الأعمال فتعويضها أصعب. إبقاء الشباب يتطلب فرص عمل وتمويلًا للشركات الناشئة وجامعات مرتبطة بسوق العمل واقتصادًا رقميًا يتيح العمل عالميًا من لبنان. كذلك يجب تحويل الاغتراب من مصدر للتحويلات فقط إلى شريك في الاستثمار والإنتاج ونقل المعرفة.
لو وضعنا برنامج إنقاذ لخمس سنوات، لارتكز على ثلاث أولويات مترابطة: أولًا، إعادة بناء الدولة عبر الحوكمة والقضاء الفعال والرقمنة والشفافية ومكافحة الهدر؛ ثانيًا، معالجة الفجوة المالية وإعادة بناء القطاع المصرفي، مع حماية الحقوق ضمن الإمكانات الواقعية واستعادة الدورة الائتمانية؛ وثالثًا، إطلاق اقتصاد إنتاجي ببنية تحتية وطاقة واتصالات مستقرة وتشريعات واضحة وتمويل للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
ولكي لا يبقى البرنامج مجرد عناوين، لا بد من ربط كل أولوية بمؤشرات واضحة ومهل تنفيذ ومحاسبة علنية. يجب أن يعرف المواطن كيف تُنفق الأموال العامة، وماذا تحقق الإصلاحات، ومن يتحمل مسؤولية التأخير. كما ينبغي حماية الفئات الأكثر هشاشة خلال الانتقال الاقتصادي، لأن الإصلاح الذي يتجاهل البعد الاجتماعي يفقد شرعيته وقدرته على الاستمرار. ولا يمكن بناء دولة منتجة إذا بقيت المؤسسات أسيرة المحاصصة بدل الكفاءة، أو ظل المستثمر عاجزًا عن توقع القواعد التي تحكم نشاطه. فاستعادة الثقة ليست خطابًا سياسيًا، بل نتيجة قرارات قابلة للقياس ومؤسسات تعمل بعدالة واستقرار. وهي تتطلب أيضًا الفصل بين مصالح الدولة والمصالح الخاصة، وتطبيق القانون على الجميع، وتعزيز المنافسة وتكافؤ الفرص، حتى يشعر المواطن بأن الإصلاح لا يستهدف دخله ومدخراته وحدهما. وكل تأخير في هذه الخطوات يرفع كلفة النهوض ويزيد نزيف الكفاءات ويضعف قدرة المؤسسات على الصمود. إن نجاح البرنامج يتطلب تلازم العدالة مع المسؤولية، والإصلاح المالي مع النمو، والحوكمة مع فرص العمل، بدل تنفيذ إجراءات منفصلة لا تجمعها رؤية وطنية.
لكن شرط نجاح هذه الأولويات هو الثقة. لبنان يملك الجامعات والمستشفيات والقطاع الخاص والانتشار العالمي والكفاءات والفرص السياحية والمعرفية؛ مشكلته ليست ندرة الموارد بل سوء إدارتها. لا أبيع اللبنانيين وهم العودة السريعة إلى الماضي، ولا أقبل الاستسلام. الإنقاذ لا يكون بتحميل المواطن وحده فاتورة الانهيار، بل بتحويله إلى شريك في النمو والثروة. المطلوب ألا نعود إلى عام 2019، بل أن نتجاوزه نحو دولة لا تسمح بتكرار الأزمة، فنحوّل نهاية نموذج فاشل إلى بداية نموذج جديد.