حين يصبح موسم التفاح مؤشراً سياسياً واجتماعياً

ارتبطت زراعة التفاح بالجبل اللبناني، وخصوصاً المناطق التي يزيد ارتفاعها عن الـ1000 متر. ومنذ الخمسينات والستينات، أقبل المزارعون في الجبال على زراعة كثيفة للتفاح، في الأراضي التي كانوا سابقاً يزرعونها حبوباً وخضاراً، ليتموّنوا منها، أو التي كانت في الماضي تغطيها أشجار التوت، قبل انحسار صناعة الحرير. زراعة التفاح جاءت تؤمّن للمزارعين دخلاً مالياً مباشراً، سمح لهم بإرسال أولادهم إلى المدارس وتبنّي نمط عيش أكثر بحبوحة. استكشفالتاريخ

ورث سمير في قرية ترشيش الجبلية بستان تفاح عن والده منذ سنوات عدة. وقد حرص والده دوماً على اقتياده معه لمساعدته في أعمال البستان، من الفلاحة والسقي والرش والتقليم وغيرها، ليُربّيه على حبّ الأرض. ومع وفاة الوالد، ورث سمير البستان، كما ورث حبّه للأشجار التي راح يعاملها بكل عناية.

ندرة التجار وغلاء الأسعار

غير أنّ في السنوات الأخيرة، توقّف سوق التفاح، وبات من الصعب تصريف الموسم. التجّار الذين هم غالباً مَن يشترون المواسم ويُوَضِّبونها ويضعونها في البرادات تمهيداً لبيعها في الشتاء، سواء في السوق الداخلية أو للتصدير إلى الخارج، هؤلاء التجار الذين ينتظرهم المزارعون لشراء المواسم، باتوا قلّة. فالتفاح لم يعُد له من أسواق للتصريف. وبات التجار يتحكّمون بالسعر نحو التخفيض. إذ بلغ متوسط سعر صندوقة التفاح التي تزن 20 كلغ، حوالى 6 دولارات. فيما هذا المبلغ في المحلات التجارية هو ثمن 2 كلغ من التفاح. والكثير من البساتين هذه السنة لا تزال ثمارها عليها تنتظر من يشتريها. وقد باتت الثمار ناضجة وراحت تتساقط على الأرض عند كل نسمة هواء.

انتظر سمير التجار أن يمرّوا ببستانه لشراء محاصيله. مرّ بعضهم لكنهم عرضوا ثمناً بخساً للغاية، ما احتسبه سمير بمثابة ابتزاز له: القبول بالسعر البخس أو خسارته الموسم. لكنه رفض الابتزاز. قطف الموسم واتصل بأحد أديار الراهبات مقدّماً لهم الإنتاج مجاناً. لكنه في اليوم التالي استدعى الحطّاب وطلب منه قطع كامل أشجار البستان. تردّد الحطّاب أمام هول «الفاجعة»، لكنه امتثل بعد إصرار صاحب البستان.

سمير ليس حالة فريدة، غيره أيضاً في هذه البلدة قام بذلك، كمثل سعدالله، أحد أقاربه الذي قطع العام الماضي بستاناً يحوي أكثر من 1000 شجرة.

هكذا تسير حياة مزارع التفاح، وهذا هو مستقبل هذه الزراعة في لبنان. منطق المزارع: «منذ أكثر من عشر سنوات والمواسم خاسرة، لا نستطيع كسب كلفة البستان، هذا من دون احتساب تعبنا. فلماذا نستمر في الخسارة؟». أخبارلبنان

إغلاق الأسواق العربية

كان التفاح اللبناني المعروف بجودته ونكهته العالية يدخل في الماضي الأسواق العربية، لاسيما مصر والعراق ودول الخليج. وكان التجار يتنافسون لشراء المواسم. هذا كان حين كانت الدولة اللبنانية في عزّ علاقاتها العربية الوطيدة. لكن اليوم، بات لبنان مقطوعاً عن محيطه العربي، فكيف بتفاحه ومواسمه؟ بات عبور شاحنة من أي انتاج زراعي من لبنان إلى الدول العربية يشكّل تحدّياً كبيراً.

أمّا الوزارات المعنية، فتبدو غائبة، وكذلك التعاونيات الزراعية التي لو تمّ تفعيلها، لكانت حدّت من الأزمة. وقد تفتقت أفكار وزارة الزراعة هذا العام أمام الكارثة عن «إطلاق حملة وطنية لتسويق التفاح تحت عنوان: سوا مندعم التفاح اللبناني»، مقترحة للمواطن اللبناني: «خلينا نشتري 20 كلغ… سوا منقدر… خلّينا نبلّش من بيوتنا». لكن كيف يمكن للسوق اللبنانية أن تستهلك 200 ألف طن من التفاح هي حجم الإنتاج اللبناني هذا العام!؟.

في الواقع، يبدو المزارع متروكاً لمصيره، والنتيجة، أنّه يبتعد عن الزراعة ويترك قريته لينتقل إلى وظيفة أو «مصلحة» ما في المدينة، ولو بدخل متواضع. فالتعب هنا أقلّ ويضمن له دخلاً ثابتاً ولو متواضعاً. سمير والمزارعون رفاقه، لن يرافقهم أولادهم إلى البستان بعد اليوم، ولن يتمسّكوا بالأرض لا بل قد يبيعونها.

بديل التفاح

حاول البعض في ترشيش استبدال التفاح بالكستناء، لكن تبيَّن أنّ هذه الشجرة لها متطلّبات مختلفة، ولا تتناسب مع حياة الفلاح لأسباب متعدّدة، عدا عن مشاكل تخزينها وموسم نضجها ولاحقاً تسويقها. فكانت النتيجة فشلاً، على الرغم من الدعاية التي حاول البعض تسويقها لها لأسباب انتخابية أو لإفادة شخصية. البعض الآخر اتجه نحو الجوز، وهي زراعة غير متطلبة. أما الغالبية، فهي تترك قراها وتتخلّى عن الزراعة.

هذه التجارب الفردية في غياب سياسة زراعية، وفي غياب أي دعم لن تقود إلى إنقاذ القرى وزراعاتها، لا بل تقود إلى تصحّرها وإفراغها وتزيد الضغط على المدن. تحليلاتسياسية

زراعة التبغ في لبنان أنقذتها شركة الريجي التي كانت تضمن شراءه بأسعار تناسب المزارع. أمّا التفاح، فليس له من «ريجي» لتصنيعه عصيراً أو مجفّفاً، ولا لضمان تصديره إلى الأسواق الخارجية.

وسيستمر مزارعو التفاح بالتخلّي شيئاً فشياً عن بساتينهم إلى أن يعود باب التصدير إلى الخارج، وإلى أن تدرس الوزارات المعنية احتياجات المزارع، وتضع السياسات المناسبة. حينها يكون ذلك مؤشراً إلى استعادة الدولة عافيتها ودورها.

Leave A Reply

Your email address will not be published.