قانونا الفجوة وإصلاح المصارف في مكان… والحل في مكان آخر

قانون إصلاح المصارف أمام المجلس الدستوري، ومشروع قانون الفجوة المالية يصارع للوصول إلى خواتيمه، فيما نواصل إضاعة الوقت في قوانين، نعتبر أنّها لن تحلّ الأزمة، بل تزيدها تعقيداً، لأننا نعالج النتائج قبل أن نكشف الأسباب.

قبل أي قانون، يجب أولاً كشف كيف حصلت هذه السرقات. فمصرف لبنان وُجد لمنع إفلاس المصارف وحماية المودعين، عبر التدخّل عند حصول أخطاء أو اختلالات تسبِّب انهيار أي مصرف. لكنّ حكومات متعاقبة غيّرت دوره، فتحوَّل إلى أداة قادت إلى أعظم سرقة في التاريخ.

وحتى اليوم، يحورون ويدورون في محاولات، كلّها مرتكزة إلى عدم كشف حسابات المصارف ومنع الناس من معرفة كيف حصلت الكارثة، فيما نتجاهل الكارثة نفسها وما فعلته بالناس. فالأزمة لم تكن أرقاماً فقط؛ كانت أموال ناس جُمّدت، ومدّخرات عمر ضاعت، وأموال عائلات فقدت قدرتها على تعليم أولادها أو علاجهم، ومؤسسات أُغلقت، وشباب هاجروا، وحياة كاملة انقلبت رأساً على عقب. هذه المأساة هي التي يجب أن تكون في صلب اهتمام المسؤولين، لا أن نبقى أسرى قوانين تُصاغ وتُعدّل فيما يضيع الوقت. اشترخرائط

كل مشاريع القوانين، كما تبدو حتى الآن، لا توحي بأنّ الهدف منها الوصول إلى حل بقدر ما توحي بإضاعة الوقت، حتى ييأس الناس ويتوقفوا عن المطالبة بحقوقهم. وبلغ سوء النوايا درجة بمحاولات تشريع سرقة القرن، عبر البحث عن مخارج لتحميل مسؤوليتها للمودعين والموظفين والمؤسسات الخاصة، بدلاً من كشف كيف حصلت ومَن يتحمّل مسؤوليّتها. والأفظع، أنّ مأساة غياب التعويضات لا تكاد تجد مَن يتحدّث عنها، بل تصل الوقاحة إلى حدّ محاولة تحميل كلفتها للشركات التي سُرقت أموالها أصلاً.

نتوجّه إلى المسؤولين: لماذا لا تريدون فتح دفاتر المصارف؟ هناك جريمة سرقة، فلا بُدّ من تحقيق يكشف كيف حصلت، وأين ذهبت الأموال، ومَن يتحمّل المسؤولية. لماذا لا يتمّ التحقيق في أكبر جريمة عرفها البلد سبَّبت تسونامي مآسٍ اجتماعية؟ أين البرلمان من هذا التحقيق؟ وأين الدولة؟

والأهم: لماذا نبدأ بكل القوانين قبل أن نعرف حقيقة ما حصل؟ المطلوب ليس المزيد من الدوران حول الكارثة، بل كشفها أمام الناس بكل تفاصيلها.

لقد تحوّل عدم فتح دفاتر المصارف إلى لغز بحدّ ذاته. هل أصبحت هذه الدفاتر أكثر قدسية من حقوق الناس، ومن مصلحة البلد، ومن حق اللبنانيّين في معرفة ما جرى بأموالهم؟ لماذا لا يأتي أحد على ذكر فتحها، فيما تتّجه النظريات أكثرها لإقناعنا بضرورة أن نعيد الثقة للمصارف الحالية والمركزي، من دون أن نسألهم كيف سرقونا؟ فأين الأصوات التي تطالب بفتح الدفاتر؟ ولماذا هذا الصمت؟

وبعد كل ما سبق، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن بناء اقتصاد جديد بالأدوات نفسها التي أوصلتنا إلى هذه الكارثة؟ بناء الاقتصاد بالمصارف وبمصرف لبنان بصيغته الحالية، من دون معالجة جذور فقدان الثقة، فكرة مستحيلة. الثقة لا تُفرض بالقانون، ولا تستطيع أي حكومة، مهما بلغت قوّتها، أن تجبر الناس على الثقة بمؤسسات فقدوا ثقتهم بها. الثقة تُبنى بالشفافية، وبالمحاسبة، وبقواعد تمنع تكرار ما حصل.

ولهذا، فإنّ الطريق الصحيح لا يكون بإعادة النظام نفسه، بل بإعادة النظر في هيكلة مصرف لبنان وصلاحياته، ووضع ضوابط مؤسساتية وقانونية تمنع أن يمتلك شخص واحد صلاحيات يمكن أن تقود البلد إلى كارثة بهذا الحجم. المطلوب مصرف مركزي تحكمه المؤسسات والرقابة والقواعد، لا قرارات فردية.

أمّا الإصرار على المصارف نفسها، فهو ليس إصلاحاً، بل إضاعة جديدة للوقت. وإذا كنتم تعتقدون أنّ بالإمكان تجاوز هذه الحقائق، فأنتم لا تضيّعون وقتكم فقط، بل تخاطرون مرّة أخرى بسلامة البلد ومستقبله.

أمّا إذا كان المطلوب هو ألّا يستقيم البلد، فإنّ ما تقومون به يسير في الاتجاه الصحيح.

ختاماً، نرجوكم أن تعتمدوا الشفافية، لأنّ غيابها هو الذي أوصلنا إلى الانهيار. لا تكرّروا التجربة نفسها، ولا تبنوا مرحلة جديدة على الغموض نفسه الذي أوصلنا إلى الكارثة. أدخلوا الشفافية إلى صلب العمل العام، وأقرّوا قانوناً للشفافية المطلقة يضع حداً للغموض، ويضمن حق الناس في معرفة ما يجري في إدارة البلاد.

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.