الـ300 ألف ليرة.. المشكلة ليست في الرقم
قد تبدو الـ300 ألف ليرة اليوم مبلغاً بسيطاً، وربما لا يستحق كل هذا النقاش. لكن قرار مجلس الوزراء عدم إلغاء الرسم المرتبط بقطاع الطاقة، يُعيد إلى الواجهة إشكالية أكبر بكثير من قيمة الرسم نفسه: هل يُمكن للدولة أن تستمر في معالجة أزمتها المالية من خلال إضافة الرسوم، بدلاً من معالجة أصل المشكلة؟
المشكلة ليست في الـ300 ألف ليرة، إنما المشكلة تكمن في المنطق الذي يحكم المالية العامة منذ سنوات: عندما تحتاج الدولة إلى إيرادات إضافية، يكون الحل الأسرع غالباً من خلال زيادة رسم، أو استحداث ضريبة، أو تعديل تعرفة. أما السؤال الأصعب، فهو كيف نقلّص الهدر؟ ونرفع كفاءة الإدارة؟ ونحسّن الجباية؟ ونوسّع قاعدة المكلّفين؟
يا للأسف، كل ما تقدّم سيبقى مؤجّلاً، وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالدولة بحاجة إلى إيرادات، وهذا أمر بديهي. لا دولة من دون ضرائب ورسوم، ولا خدمات عامة من دون تمويل. لكن في المقابل، لا يُمكن بناء نظام مالي سليم إذا شعر المواطن بأنّه يدفع باستمرار من دون أن يعرف ماذا يحصل مقابل ما يدفعه.
فاللبناني يدفع فاتورة الكهرباء، ويدفع للمولّد أو للطاقة البديلة. كما يدفع للمياه، ويشتري المياه أيضاً من الصهاريج الخاصة التي تملأ الطرق ومداخل المباني. يدفع الضرائب والرسوم، ثم يدفع من جديد مقابل التعليم والإستشفاء والنقل والخدمات الأساسية. أي أنّه لا يعترض بالضرورة على مبدأ أن يدفع، بل إنّ الألم الحقيقي بأن يدفع مرّتين وثلاث.
وهنا السؤال: مَن يدفع فعلاً؟ وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية: مَن يتحمّل العبء الضريبي في لبنان؟ أخبارلبنان اليوم
في اقتصاد يعاني حجماً كبيراً من النشاط غير الرسمي والتهرُّب وضعف الجباية، تصبح زيادة الرسوم على الملتزمين هي الطريق الأسهل. فالموظف معروف، والشركة المسجّلة معروفة، كما أنّ المؤسسة التي تصرّح عن أعمالها معروفة، والمواطن الذي يقوم بمعاملة رسمية معروف أيضاً. هؤلاء هم الأسهل للوصول إليهم.
أما توسيع قاعدة المكلّفين وإدخال الإقتصاد غير الرسمي تدريجياً في الدورة الإقتصادية، ومكافحة التهرّب وتحسين التحصيل، فهي إصلاحات أصعب، لكنها أكثر عدالة وأكثر استدامة.
وهنا يجب قلب المعادلة: قبل أن نسأل كم يُمكن أن نزيد على المواطن، علينا أن نسأل كم تخسر الدولة لأنّها لا تُجبي ما هو مستحق لها أصلاً. فالرسم الصغير يصبح عبئاً كبيراً. وقد يقول البعض: ماذا تعني 300 ألف ليرة اليوم؟ المشكلة ليست في هذا الرسم منفرداً، بل في تراكم الرسوم.
وهكذا دواليك: 300 ألف ليرة من هنا، و500 ألف من هناك، وزيادة على تعرفة في مكان آخر، ورسوم معاملات وخدمات واتصالات ونقل وغيرها. كل واحدة منها قد تبدو محدودة إذا ما نظرنا إليها منفردة، لكنها مجتمعة قد تتحوّل إلى ضغط إضافي على دخل الأسرة وكلفة المؤسسة. والأخطر، أنّ هذا الأسلوب لا يشكّل سياسة مالية، بل إنّه مجرد إدارة يومية للعجز. سياسة
لبنان لا يحتاج إلى موازنة تبحث عن الإيرادات بنداً بنداً لتغطية النفقات، بل إلى سياسة مالية تحدّد أولاً حجم الدولة التي نريدها، وكلفتها، وأولويات إنفاقها، ثم تحدّد بصورة عادلة ومستدامة كيفية تمويلها.
الأهم هو أن نحوّل الرسم من مجرّد وسيلة للجباية إلى جزء من سياسة عامة قابلة للمحاسبة. فالدولة ليست صندوق جباية، فيما التحدّي الحقيقي اليوم يكمن بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.
وهذه الثقة لن تعود بمجرّد زيادة الإيرادات، بل عندما يشعر المواطن بأنّ ما يدفعه يتحوّل إلى خدمة، وأنّ الضرائب موزّعة بعدالة، وأنّ المتهرّب لا يتمتع بميزة على الملتزم، وأنّ المال العام يخضع للمساءلة. لهذا السبب، فإنّ النقاش حول الـ300 ألف ليرة يتجاوز بكثير الـ300 ألف. إنّه نقاش حول النموذج المالي الذي نريد بناءه في لبنان.
هل نستمر في زيادة الرسوم كلما احتجنا إلى إيرادات؟ أم نستفيد من المرحلة الحالية لإعادة النظر في النظام بكامله: الإنفاق، الجباية، التهرُّب، الإقتصاد غير الرسمي، الرقمنة، كفاءة الإدارة، ونوعية الخدمات العامة وخصوصاً حجم الدولة ككل؟
في المحصّلة، لبنان يحتاج إلى إيرادات، نعم، لكنه يحتاج أيضاً وقبل كل ذلك إلى دولة تستحق أن تُموَّل. وعندما يعرف المواطن أين تذهب أمواله، ويرى خدمات مقابل ما يدفعه، ويشعر بأنّ الجميع يُساهم وفق قواعد عادلة، لن يعود النقاش حول 300 ألف ليرة، لأنّ المشكلة، منذ البداية، لم تكن في الرقم لكن في المبدأ، وفي السياسة المالية الخاطئة والوهمية.
