المُنتدى اللبناني ــ الروسي: تجارة تنتظر فتح الطريق

«نعرف جميعاً صعوبة العمل في لبنان اليوم: الاقتصاد ضعيف، التمويل شحيح، والكلفة مرتفعة». من هذه النقطة انطلق وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط في افتتاح المُنتدى الاستثماري الاقتصادي اللبناني ــ الروسي «بيروت 2»، ليقول إن روسيا تمثّل سوقاً مهمة لتوسيع صادرات لبنان، بالتوازي مع استقطاب استثمارات وشراكات ترفع الإنتاج المحلي. لكنّ الأرقام المعروضة في المُنتدى تكشف أن المسألة ليست في غياب السلع القابلة للتبادل، بل في ضآلة التجارة القائمة قياساً بالإمكانات المُتاحة، وهذا يرتبط حكماً بالإرادة السياسية.

في كلمته، وضع البساط ثلاث أولويات يجب العمل عليها، وتتمثّل في زيادة الصادرات اللبنانية إلى روسيا، بناء شراكات استثمارية توسّع الإنتاج في لبنان وتحويل ما يطرحه المُنتدى إلى مشاريع واتفاقيات فعلية. لكنه ربط ذلك بحل مسائل عملية تبدأ بمعايير دخول السوق ونقل البضائع، ولا تنتهي عند المدفوعات وإيجاد الشركاء. والرقم الذي يختصر جانباً كبيراً من الصورة هو 21 مليار دولار مقابل 353 مليوناً. ففي عام 2025، استورد لبنان من العالم بنحو 21 مليار دولار، فيما لم تتجاوز وارداته من روسيا 353 مليون دولار، وفق الأرقام التي عرضها الباحث محمد شمس الدين. والأهم أن غالبية هذه الواردات تركّزت في ست سلع فقط: 118 مليون دولار من القمح، و90 مليوناً من المازوت، و75 مليوناً من الحديد، و30 مليوناً من الفيول، و12 مليوناً من الخشب، و10 ملايين من الزيوت النباتية.

في المقابل، يستورد لبنان بكميات كبيرة، سلعاً يرى شمس الدين، فرصة لزيادة حصّة روسيا منها؛ ففي عام 2025 بلغت فاتورة السيارات والطائرات 900 مليون دولار، والأدوية 743 مليوناً، والحديد 436 مليوناً، والأدوات الكهربائية 320 مليوناً، فيما توزّعت مئات ملايين الدولارات الأخرى على الأغذية واللحوم والحبوب والزيوت والمعدّات ومواد مختلفة. أي إن شمس الدين لا يطرح إنشاء حركة استيراد من الصفر، بل زيادة حصّة روسيا من فاتورة استيراد يدفعها لبنان أصلاً. إلا أن هذا المسار يصطدم، بحسبه، بالمصارف والتحويلات والعقوبات، وهي ملفات رأى أنها تحتاج إلى بحث مع مصرفيين وخبراء متخصّصين.
وهذه العقبة حضرت أيضاً في كلمة السفير الروسي ألكسندر روداكوف، الذي أقرّ بأن مستوى العلاقات التجارية والاقتصادية الحالي «لا يرقى إلى مستوى مصالح بلدينا»، مشيراً إلى صعوبات يخلقها عدم الاستقرار الإقليمي والعقوبات الغربية المفروضة على روسيا، وإلى الحاجة إلى تطوير البنية المصرفية واللوجستية.

يستورد لبنان بقيمة 118 مليون دولار قمحاً من روسيا

لكنّ المفارقة الأوضح تظهر عند قلب اتّجاه التجارة: ماذا يمكن أن تشتري روسيا من لبنان؟ حدّدت مديرة مصلحة في وزارة الاقتصاد رولا نصرالله أربع مجموعات أساسية ترى فيها فرصاً غير مُستغلَّة: الصناعات الغذائية المتخصّصة، والعنب والتفاح، وزيت الزيتون والنبيذ. والأرقام التي عرضتها تُظهِر أن لبنان لا يحتاج، في عدد من هذه القطاعات، إلى ابتكار مُنتَج جديد، فهو يصدّرها بالفعل إلى أسواق أخرى، لكنّ حضوره في السوق الروسية لا يزال ضئيلاً.

في الصناعات الغذائية المتخصّصة مثلاً، استوردت روسيا في سنة المقارنة 2021 بقيمة 224 مليون دولار، فيما صدّر لبنان منها إلى العالم بـ43.7 مليون دولار. لكن ما وصل مباشرة من لبنان إلى روسيا لم يتجاوز 2.8 ألف دولار.
وفي زيت الزيتون الفاخر، بلغت الواردات الروسية 77.8 مليون دولار، مقابل صادرات لبنانية إلى العالم بقيمة 10.8 ملايين دولار، من دون صادرات لبنانية مباشرة مُسجّلة إلى روسيا وفق البيانات المعروضة. أمّا النبيذ، فاستوردت روسيا منه بـ942.8 مليون دولار، في حين بلغت صادرات لبنان إلى العالم 24 مليوناً، ولم يصل منها مباشرة إلى السوق الروسية سوى 29.7 ألف دولار.

وهذه المُقارنات تختصر الفجوة. فروسيا تستورد هذه المُنتجات بعشرات ومئات الملايين من الدولارات، ولبنان يصدّرها بالفعل إلى الخارج، لكنّ حضوره المباشر في السوق الروسية يبقى هامشياً.
ويعطي التفاح مثالاً أوضح على أن وجود هذه الفجوة لا يعني أن تحويلها إلى صادرات أمر تلقائي. فلبنان ينتج نحو 120 إلى 140 ألف طن سنوياً ويواجه مشكلة في تصريف جزء من إنتاجه، فيما استوردت روسيا تفاحاً بقيمة 477 مليون دولار في عام 2021. وفي السنة نفسها بلغت صادرات لبنان من التفاح إلى العالم 25.5 مليون دولار، لكنّ صادراته المباشرة إلى روسيا لم تتجاوز 106 آلاف دولار.
غير أن الرقم الروسي الكبير لا يعني أن السوق قادرة ببساطة على امتصاص الفائض اللبناني. ولا يكفي أن تكون روسيا مُستورِداً كبيراً وأن يكون لدى لبنان إنتاج قابل للتصدير. المطلوب تحديد الأصناف والأحجام المطلوبة والأسعار ومواسم الوصول، ثم احتساب ما إذا كان المُنتج اللبناني يستطيع الوصول بسعر منافس.

وهنا تنتقل المشكلة من حجم السوق إلى كلفة الوصول إليها. فالعنب والتفاح يحتاجان إلى سلسلة تبريد، وشهادات صحية ومنشأ، وفحوص وتوضيب ووسم مُطابِق لمتطلبات السوق الروسية. كما يحتاج المصدر إلى معرفة المواصفات التي يطلبها المستورد قبل تحميل الشحنة، لأن وجود الطلب وحده لا يكفي إذا لم تكن السلعة قادرة على الوصول بالشروط والسعر المناسبيْن.
وفي زيت الزيتون، لا تطرح نصرالله منافسة الدول ذات الإنتاج الضخم بالكميات، بل تسويقه كمُنتج لبناني فاخر مرتفع الجودة، واستهداف شريحة تختلف عن سوق الإنتاج الكثيف. وينطبق منطق مشابه على النبيذ، حيث تبدو الفرصة أقرب إلى المنافسة بالنوعية والمنشأ لا بالكميات.

هكذا، تصبح الفجوة التي كشفتها الأرقام، جوهر الفرصة الاقتصادية. لبنان لا يحصل من السوق الروسية إلّا على بضعة آلاف أو عشرات آلاف الدولارات. لكنّ تحويل هذه الفجوة إلى تجارة لا يتوقف على إيجاد مُشترٍ روسي. بين المُنتج اللبناني والسوق الروسية كلفة شحن ومواصفات وسلاسل تبريد وقدرة على تأمين الكميات، ثم عقدة المصارف والتحويلات والعقوبات. ومن هنا تأتي أهمية المُنتدى، فعرض الأرقام وتحديد السلع التي تملك فرصة فعلية هما البداية، أمّا الاختبار فهو الانتقال منها إلى معالجة هذه العوائق وربط المُنتجِين بالمُستورِدين، وصولاً إلى عقود وشحنات فعلية، بدلاً من أن تبقى إمكانات التبادل أرقاماً على الورق.

Leave A Reply

Your email address will not be published.