إنجاز يُسجَّل لعون: خطوة استراتيجية نحو تجارة الهند وأوروبا
في الدول المنهكة بالأزمات، يصبح فتح نافذة اقتصادية على العالم فعلاً سياسياً بامتياز. وهذا ما يمنح توقيع مرفأي بيروت وطرابلس، الإعلان المشترك لإطلاق «نادي موانئ الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا» أهميته الاستثنائية.
فلبنان، الذي يخشى أن تتجاوزه التحوُّلات الكبرى، يتقدَّم لحجز مكان في النقاش العملي حول مستقبل التجارة والربط بين القارات. إنّها خطوة تستحق أن تُسجَّل إنجازاً في عهد الرئيس جوزاف عون، الذي تبنّى هذا التوجّه ودفع نحو انخراط لبنان فيه.
تكمن قيمة الحدث في توقيته ومعناه. فحين تُرسم طرق التجارة، تُوزَّع معها فرص الاستثمار والعمل والنفوذ. والحضور المبكر يتيح للبنان الدفاع عن مصالحه، وعرض قدراته، والمشاركة في بناء الشراكات، قبل أن تستقر الخيارات وتتكرَّس المسارات. أمّا الانتظار، فكلفته أن يكتشف البلد لاحقاً، أنّ موقعه الجغرافي لم يعُد كافياً لاستدعائه إلى الطاولة.
الدفع الرئاسي يسبق التوقيع
للرئيس عون دور موثّق في هذا المسار. فقد أعلن أمام المبعوث الفرنسي جيرار ميستراليه، استعداد لبنان للانخراط في المبادرة، بما يخدم مصالحه الوطنية، وشدّد على متابعة التنسيق لاستكمال الخطوات المطلوبة. بذلك، منح التوجُّه الاقتصادي سنداً سياسياً واضحاً من رئاسة الجمهورية، وربطه بمصلحة الدولة وموقعها الاستراتيجي.
وفي مقابلة منشورة في شباط الماضي، أكّد ميستراليه تصميم عون على دفع الأمور قدماً، مشيراً إلى مقوّمات مرفأي بيروت وطرابلس وإمكان توسعهما. ومن هنا، يمكن قراءة توقيع نيودلهي بوصفه تقدُّماً عملياً في اتجاه دعمه الرئيس، مع حفظ دور الحكومة والجهات المعنية وإدارتَي المرفأين في إنجازه. فالفضل الرئاسي يتمثل في تبنّي الخيار ومساندة مساره، فيما تتولّى المؤسسات تحويله إلى تعاون قابل للتنفيذ.
مرفآن في خدمة اقتصاد واحد أخبارلبنان اليوم
اقتصادياً، يفتح هذا التوجُّه باباً لتوسيع وظيفة المرافئ اللبنانية: من خدمة السوق المحلية إلى تنمية خدمات العبور والتخزين والتوزيع وإعادة التصدير. وإذا توافرت الاستثمارات والكفاءة التشغيلية، يمكن لهذه الأنشطة أن تحرّك قطاعات النقل والصيانة والتأمين والخدمات الرقمية، وأن تخلق فرص عمل وإيرادات تتجاوز حدود الأرصفة.
وتبرز هنا أهمية حضور بيروت وطرابلس معاً. فتوزيع الاختصاصات وتكامل الخدمات يسمحان بعرض قدرة لبنانية أوسع على الشركاء الدوليّين. كما يمنحان الشمال فرصة للاستفادة من نشاط اقتصادي متصل بالأسواق الخارجية، ويجعلان تطوير المرافئ جزءاً من سياسة إنمائية وطنية. المطلوب أن تتنافس المؤسسات على الكفاءة، وأن تتعاون على استقطاب التجارة إلى لبنان.
إنجاز تأسيسي يحتاج إلى استثمار
الدقة تزيد الإنجاز قيمة. فالتوقيع على إطلاق نادي الموانئ يؤسس لمنصة تعاون وتبادل خبرات ومشاريع تجريبية؛ ولا يعني وحده تثبيت لبنان محطة تشغيلية نهائية في الممر، أو ضمان تدفقات تجارية واستثمارات محدّدة. لكنّه يفتح باب المشاركة في العمل الذي قد يقود إلى تلك النتائج. جريدةالجمهورية ورق
وهنا يبدأ الاستحقاق التالي: تحديث الإجراءات الجمركية، وتسريع التخليص، وتحسين الربط البري والرقمي، وضمان الشفافية واستقرار القواعد. فالشركات تختار المرفأ الذي يحفظ وقتها وبضائعها وأموالها. وكل إصلاح في هذه المجالات يحوّل الانفتاح الديبلوماسي إلى ميزة اقتصادية ملموسة.
يُحسب للرئيس عون أنّه أدخل هذا الأفق إلى حسابات الدولة. فالبلد يحتاج، بالتوازي مع معالجة أزماته، إلى مشروع يوسّع قدرته على الكسب والإنتاج. وتوقيع نيودلهي يقدّم خطوة تأسيسية في هذا الاتجاه. أمّا النجاح الأكبر، فسيكون في متابعة هذا الإنجاز، حتى يصبح عملاً وفرصاً وإيرادات، ويستعيد لبنان مكانه من خلال ما يقدّمه للاقتصاد العالمي.