بين صدمة النفط وكلفة النزوح: الأسعار زادت 8.6% خلال الحرب
منذ نهاية شباط الماضي، عشية بداية الحرب الأخيرة في لبنان وحتى نهاية شهر أيار، ارتفعت الأسعار بنسبة 8.6%. انعكاسات هذه الحرب على الأسعار مختلفة عن الحروب السابقة، خصوصاً أنه في سياقها الإقليمي، أدّت إلى انقطاع 20% من إنتاج النفط العالمي عن الأسواق، ما سبّب صدمة في أسعار النفط التي بقيت لفترة طويلة فوق عتبة الـ100 دولار للبرميل. وارتفاع أسعار النفط، يؤدي حتماً إلى ارتفاع معظم الأسعار المحلية أو المستوردة. وبديهي أن تصيب هذه الصدمة أسعار النقل والكهرباء والمياه وكل ما يعتمد على الوقود مثل البنزين والمازوت والغاز.
بحسب إدارة الإحصاء المركزي، فإنه في الفترة ما بين نهاية شباط ونهاية أيار، ارتفع بند كلفة النقل 24% وبند «كهرباء ومياه وغاز..» 26.5%. ولا يقتصر أثر هذا الارتفاع على ما تدفعه الأسر مباشرةً مقابل البنزين أو اشتراكات المولدات، لأن النقل والطاقة يدخلان في كلفة كل سلعة وخدمة تقريباً. أي إن ارتفاع سعر المازوت سينعكس ارتفاعاً في كلفة نقل المواد الغذائية والسلع بين المناطق، وكلفة تشغيل المصانع والمتاجر والمطاعم والمستشفيات، إضافة إلى كلفة ضخّ المياه والتبريد والتخزين. لذلك، ينتقل جزء من الزيادة تدريجياً إلى أسعار بقية بنود الاستهلاك، حتى تلك التي لا ترتبط ظاهرياً بالنفط.
بالنسبة إلى الأسر، يعني ذلك أن جزءاً أكبر من الدخل أصبح مخصّصاً لتغطية نفقات لا يمكن الاستغناء عنها أو تأجيلها. فلا يمكن لمعظم العاملين التوقف عن التنقل إلى أماكن عملهم، كما لا تستطيع الأسر الاستغناء عن الكهرباء أو المياه. وفي ظل غياب نقل عام فعّال وضعف التغذية الكهربائية الرسمية، لا تملك الأسر بدائل أرخص تلجأ إليها، بل تضطر إلى تحمّل كلفة البنزين والمولدات الخاصة كما هي. وهذا يحوّل ارتفاع أسعار الطاقة إلى اقتطاع مباشر من القدرة الشرائية.
ولا يتوزع هذا العبء بالتساوي. فالأسر ذات الدخل المحدود تنفق حصّة أكبر من مداخيلها على النقل والطاقة والحاجات الأساسية، ولذلك يكون أثر الزيادة عليها أشدّ من أثرها على الأسر الأعلى دخلاً. وقد تضطر هذه الأسر إلى تعويض ارتفاع فاتورة المولد أو كلفة الانتقال من خلال تقليص الإنفاق على الغذاء أو الصحة أو التعليم أو الملابس. بالتالي، لا يؤدي ارتفاع الطاقة فقط إلى زيادة الأسعار، بل إلى تغيير في نمط استهلاك الأسر وتراجع في مستوى معيشتها.
أما على مستوى المؤسّسات، فيضع ارتفاع الطاقة الشركات أمام خيارين، إما نقل الكلفة الإضافية إلى أسعار السلع والخدمات، وإما تحميلها على حساب هوامش الأرباح. وفي الحالتين، تكون النتيجة انكماشية. فرفع الأسعار يضعف الطلب، بينما يؤدي تراجع الأرباح إلى تأجيل الاستثمار أو تقليص الإنتاج والتوظيف. وتكون المؤسّسات الصغيرة الأكثر تضرراً، لأنها أقل قدرة على امتصاص الصدمة، ولا تملك عادةً السيولة أو القدرة التفاوضية التي تسمح لها بالحصول على الوقود والنقل بكلفة أقل.
لكن صدمة النفط لا تفسّر وحدها خريطة ارتفاع الأسعار. فالحرب لم ترفع كلفة الإنتاج والنقل فقط، بل غيّرت أيضاً توزيع السكان والطلب بين المناطق. وقد ظهر ذلك خصوصاً في البنود المرتبطة بحاجات النازحين، إذ نشأ خلال فترة قصيرة طلب إضافي على السكن والطعام والثياب والتجهيزات المنزلية، في وقت لم يكن العرض قادراً على التوسّع بالسرعة نفسها.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك بند المطاعم والفنادق، الذي ارتفعت أسعاره بنسبة 9.9% بين شباط وأيار. فالطلب على غرف الفنادق ارتفع نتيجة حاجة النازحين إلى مساكن مؤقتة، ولا سيما في المناطق البعيدة عن العمليات العسكرية. وعندما يرتفع الطلب بصورة مفاجئة فيما يبقى عدد الغرف المتاحة ثابتاً، تصبح المؤسسات قادرة على رفع أسعارها، خصوصاً مع غياب بدائل سكنية كافية أمام الأسر التي اضطرت إلى مغادرة منازلها سريعاً. ولا تعكس زيادة الطلب على الفنادق انتعاشاً سياحياً، فهي عبارة عن إنفاق اضطراري فرضه النزوح. والتفسير الدقيق لهذه الحركة، هو أن الأسر تدفع مقابل تعويض مؤقت عن مسكن لم تعد قادرة على الوصول إليه خلال الحرب. وهذا يعني أن جزءاً من ارتفاع الإنفاق في قطاع الإقامة يقابله استنزاف مباشر لمدخرات الأسر النازحة، أو زيادة اعتمادها على المساعدات والتحويلات والديون.
صدمة النفط انتقلت أفقياً إلى معظم الاقتصاد بينما أحدث النزوح ضغطاً عمودياً مركزاً
كما يفسّر النزوح جانباً من ارتفاع أسعار المطاعم. فالكثير من الأسر التي انتقلت إلى فنادق أو مساكن مؤقتة اعتمدت على الوجبات الجاهزة ما رفع الطلب على المطاعم. لكن هذا الطلب تزامن أيضاً مع ارتفاع كلفة تشغيل المطاعم، من المازوت والكهرباء إلى نقل المواد الغذائية والتبريد، ولذلك اجتمع في هذا البند أثران في الوقت نفسه، من جهة زيادة الطلب بسبب النزوح، وارتفاع الكلفة بسبب صدمة الطاقة.
كذلك، ارتفع بند الألبسة والأحذية بنسبة 9.3%. ويمكن ربط جانب من هذا الارتفاع أيضاً بالنزوح، إذ غادرت أسر كثيرة منازلها بصورة مفاجئة، من دون أن تتمكن من نقل كامل حاجاتها، ما اضطرها إلى شراء ثياب وأحذية واحتياجات شخصية جديدة، وخصوصاً للأطفال. هذا الأمر أسهم في ارتفاع الأسعار من خلال زيادة الطلب.
وهذا النوع من الإنفاق يوضح جانباً لا يظهر بصورة كاملة في مؤشر الأسعار. فالنازح لا يتحمل فقط ارتفاع سعر الثياب بنسبة 9.3%، بل يضطر أيضاً إلى شراء كميات لم يكن ليشتريها لولا الحرب، وهذا إنفاق إضافي لم يكن ليحدث لولا الحرب. أي إن العبء الفعلي على موازنته ينتج من ارتفاع السعر ومن نشوء حاجة جديدة إلى الشراء في الوقت نفسه. وهنا تصبح خسارة القدرة الشرائية أكبر مما توحي به نسبة ارتفاع الأسعار وحدها.
وتتداخل في أسعار الألبسة أيضاً صدمة الطلب المحلّي مع التضخّم المستورد. فالجزء الأكبر من الثياب والأحذية المعروضة في لبنان مستورد، أي إنه يتأثر بكلفة الشحن والتأمين ثم النقل الداخلي، علماً بأن لبنان استورد ألبسة محبوكة بـ 183 مليون دولار في 2025. ومع ارتفاع أسعار النفط، ترتفع كلفة وصول السلع إلى لبنان ثم توزيعها بين المناطق، بينما يؤدي تركز النازحين في مناطق محددة إلى خلق ضغط إضافي على المخزون الموجود لدى المتاجر فيها. وهكذا سجل تزامناً بين ارتفاع كلفة الاستيراد والارتفاع الموضعي في الطلب.
وظهر أثر النزوح أيضاً، وإن بنسبة أقل، في بند الأثاث والتجهيزات المنزلية والصيانة، الذي ارتفع بنسبة 5.6%. فالانتقال إلى مساكن مؤقتة رفع الطلب على الفرش والأدوات المنزلية والأجهزة الصغيرة والحاجات الأساسية، سواء من جانب النازحين أنفسهم أو من جانب الأسر التي استضافتهم واضطرت إلى تجهيز مساحات إضافية داخل منازلها.
ويتأثر هذا البند بدوره بارتفاع النفط، لأن جزءاً كبيراً من الأثاث والأجهزة والأدوات المنزلية مستورد، كما أن السلع المحلية تحتاج إلى المواد الأولية والنقل والطاقة في عملية إنتاجها. بذلك، تتقاطع فيه مجدداً القناتان اللتان حكمتا التضخم خلال الحرب، وهما طلب استثنائي فرضه النزوح، وارتفاع في كلفة الاستيراد والإنتاج فرضته صدمة النفط.
وتظهر هذه البنود أن ارتفاع الأسعار منذ شباط لم يكن نتيجة عامل واحد. إذ إن صدمة النفط انتقلت أفقياً إلى معظم الاقتصاد عبر النقل والكهرباء والإنتاج والشحن، بينما أحدث النزوح ضغطاً عمودياً ومركزاً على سلع وخدمات محددة وفي مناطق معينة. الأولى رفعت كلفة عرض السلع والخدمات، والثانية رفعت الطلب عليها، واجتماعهما هو ما جعل الأسعار ترتفع بسرعة أكبر مما يمكن تفسيره بتغيّر سعر النفط وحده.
كما أن الأثر على الأسر لا يقتصر على دفع أسعار أعلى مقابل النمط الاستهلاكي نفسه. فقد اضطرت الأسر، ولا سيما النازحة منها، إلى إعادة تكوين أجزاء من حياتها اليومية، حيث اضطرت إلى استئجار مسكن مؤقت، وشراء ثياب وتجهيزات بديلة، والاعتماد بصورة أكبر على الطعام الجاهز والنقل. لذلك، فإن جزءاً من التضخم خلال الحرب خُلق بسبب نفقات جديدة لم تكن موجودة قبلها، وحوّل جزءاً متزايداً من دخل الأسر ومدخراتها إلى تغطية كلفة النزوح نفسه.