اهتزاز للثقة غير مسبوق والعين على الصناديق السيادية للإعمار خسائر دول الخليج: 200 مليار دولار

تجاوزت الحرب في المنطقة مرحلة الصدمة الأمنية لدول الخليج، وتحوّلت سريعاً إلى اختبار اقتصادي لنموذج كامل بُني، خلال العقدين الأخيرين، على الاستقرار الأمني، والطاقة الرخيصة نسبياً، وسهولة حركة التجارة، وتوسّع السياحة والطيران والخدمات المالية واللوجستية. فالضربات التي طاولت منشآت الطاقة والمطارات والفنادق والمرافئ ومراكز التكنولوجيا لم تترك آثارها عند حدود الخسائر المباشرة، بل أصابت جوهر الفكرة التي قامت عليها خطط التنويع الاقتصادي في الخليج، ومحورها أن المنطقة قادرة على تقديم نفسها كمساحة آمنة للاستثمار والأعمال والسياحة، حتى وسط اضطرابات الشرق الأوسط. كل هذا يضاف إلى الضرر الأساسي الناتج من إغلاق مضيق هرمز، الذي يحجب الجزء الأكبر من قدرة دول الخليج على تصدير إنتاجها النفطي.

بحسب تقرير صادر عن مركز ستيمسون، إن إعادة بناء المنشآت المتضرّرة في الخليج بفعل الحرب تحتاج إلى تمويل كبير، قد يُسحب جزء منه من الصناديق السيادية أو من خطوط الائتمان، لكنه يلفت إلى أن ترميم صورة الخليج كوجهة مستقرة للاستثمارات قد يكون أصعب من ترميم البنية التحتية نفسها. ويقدّر التقرير الكلفة الإجمالية التي يمكن أن تتحمّلها دول مجلس التعاون بنحو 200 مليار دولار، فيما تبلغ كلفة إصلاح منشآت الطاقة المتضرّرة وحدها نحو 58 مليار دولار.

تبدأ المشكلة من مضيق هرمز. فإغلاقه أو تعطّل الحركة عبره أصابا نقطة الاختناق الأهم في اقتصاد الخليج وأسواق الطاقة العالمية. يوضح مركز ستيمسون أن نحو 25% من تجارة النفط الخام المنقولة بحراً في العالم تمر عبر المضيق، إضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المُسال، معظمها من قطر. لذلك، لم يكن الضرر موزّعاً بالتساوي بين دول الخليج. فالسعودية والإمارات تملكان بدائل جزئية عبر خطوط أنابيب تسمح بتحويل جزء من الصادرات بعيداً من المضيق، بينما تبدو قطر والكويت والبحرين أكثر انكشافاً، لعدم امتلاكها بدائل فعلية للشحن عبر هرمز.

وهذا التفاوت تؤكده أيضاً The Conversation، في تقرير للباحثة إميلي روتليدج، إذ تشير إلى أن الحرب كشفت اختلافات كبيرة في هشاشة اقتصادات الخليج وقدرتها على التكيّف. فالسعودية حوّلت نحو 7 ملايين برميل يومياً عبر خط الشرق-الغرب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بينما استخدمت الإمارات خط حبشان-الفجيرة لتصدير ما يصل إلى 1.8 مليون برميل يومياً من خليج عُمان. في المقابل، تضرّرت صادرات قطر والكويت بشدة نتيجة الاعتماد الكبير على مضيق هرمز. وبحسب التقرير نفسه، خفّض البنك الدولي توقّعاته لنمو اقتصادات الخليج في عام 2026 من 4.4% إلى 1.3% فقط منذ اندلاع الحرب، فيما تتوقّع بعض المؤسّسات، ومنها Oxford Economics، دخول بعض اقتصادات المجلس في ركود خلال النصف الثاني من السنة.

في قطاع الطاقة، تبدو الخسائر المباشرة كبيرة. يذكر مركز ستيمسون أن الهجمات ألحقت أضراراً بأكثر من 80 منشأة طاقة في دول الخليج، بينها مصافٍ وحقول نفط ومنشآت غاز طبيعي ومرافق للغاز المُسال. في السعودية، طاولت الأضرار منشآت مثل رأس تنورة، ومجمع خريص، ومنشأة منيفة البحرية، ومحطة ضخّ مرتبطة بخط ينبع. وبحسب التقرير، أدّت أضرار البنية التحتية للطاقة إلى خفض إنتاج الخام السعودي بنحو 10%، فيما اضطرت المملكة إلى تحويل معظم صادراتها البحرية عبر خط ينبع، لتستمر بتصدير نحو 5 ملايين برميل يومياً، مقارنة بنحو 7 ملايين برميل قبل الحرب.

أمّا قطر، فكانت أكثر انكشافاً بسبب اعتمادها على صادرات الغاز الطبيعي المُسال عبر المضيق. يشير مركز ستيمسون إلى أن إصلاح مجمع راس لفان، المسؤول عن إنتاج نحو 5% من الغاز الطبيعي العالمي و20% من الغاز المُسال، قد يستغرق حتى خمس سنوات، بسبب محدودية الشركات القادرة على تصنيع التوربينات الكبيرة اللازمة للإصلاح. وقد تخسر قطر، بحسب التقرير، ما يصل إلى 20 مليار دولار سنوياً من إيرادات التصدير. وتضرّرت أيضاً منشأة «بيرل» لتسييل الغاز، فيما مسّت الأضرار مصافي كويتية ومنشآت بتروكيميائية في السعودية.

والتكنولوجيا والمصارف والتمويل والعقار.

ويشير مركز «صوفان» أيضاً إلى أن الحرب قسمت دول الخليج اقتصادياً بين دول تملك منافذ بديلة ودول مُحاصرة عملياً بالمضيق. فالسعودية والإمارات قادرتان على تحويل جزء مهم من صادرات النفط إلى خطوط تتجاوز هرمز، بينما تستطيع عُمان الاستفادة من موانئها الواقعة على بحر العرب. في المقابل، لا تملك الكويت والبحرين وقطر بدائل مماثلة لصادرات النفط والغاز، ما يجعلها أكثر تعرّضاً للخسائر إذا طال أمد إغلاق المضيق أو تعطّل الملاحة فيه.

في المحصّلة، تكشف الحرب أن الخليج يواجه خسارتين متداخلتين. الأولى مباشرة، وتظهر في منشآت الطاقة المتضررة، وانخفاض الصادرات، وتراجع النمو، وتدهور السياحة والطيران، واضطراب التجارة واللوجستيات. أمّا الثانية فهي أعمق وأطول أثراً، وتتعلّق بصورة الخليج نفسه. فالدول التي أنفقت خلال السنوات الماضية مئات المليارات لبناء مدن عالمية، ومطارات ضخمة، ومناطق مالية، ومراكز تكنولوجيا، ووجهات سياحية، تجد نفسها أمام سؤال أصعب من سؤال التمويل. هل تستطيع استعادة الثقة التي جعلت رأس المال والسياح والشركات ينظرون إليها كمنطقة مستقرّة وسط إقليم مضطرب؟

أثر الحرب على سوق العمل أشدّ من كورونا

لا تظهر أزمة دول الخليج الحالية فقط في أسعار النفط أو حركة الطيران والتجارة، بل أيضاً في سوق العمل. فقد عمدت الكثير من المؤسسات في الخليج، خصوصاً في الكويت والإمارات والسعودية، إلى خفض عدد عمّالها، فيما عمدت مؤسسات أخرى إلى اقتطاع أجزاء من رواتب موظفيها بسبب سوء الأوضاع. وقد ظهر هذا بشكل كبير بين العمّال الأجانب في هذه الدول.

من ناحية أخرى تقول «منظمة العمل الدولية» إن صدمة الحرب تنتقل إلى أسواق العمل عبر ارتفاع كلفة الطاقة والنقل، واضطراب سلاسل الإمداد، وضعف السياحة، وتراجع تشغيل العمالة المُهاجِرة، ما يضغط على الأجور وساعات العمل والدخل الحقيقي. بحسب المنظّمة تُعدّ الدول العربية الأكثر انكشافاً على الصدمة، بفعل اضطراب النشاط الاقتصادي، والضغط على الطاقة والتجارة، وتضرّر القطاعات التي تعتمد بكثافة على العمالة المُهاجِرة. وفي حال حصول تهدئة سريعة، تقدّر المنظمة أن ساعات العمل قد تتراجع في المنطقة بنسبة 1.3%، أمّا إذا طال أمد الأزمة فقد يصل التراجع إلى 3.7%، وقد يقفز إلى 10.2% في سيناريو التصعيد الحادّ. وهذا الانخفاض، في السيناريو الأسوأ، يتجاوز بأكثر من الضعف حجم التراجع في ساعات العمل الذي سُجّل خلال جائحة كورونا عام 2020.

وتكمن خطورة هذه الأرقام في أن نحو 40% من العمالة في المنطقة تتركّز في قطاعات شديدة الانكشاف على الأزمة، مثل البناء، التصنيع، النقل، التجارة، الفنادق والمطاعم. هذه القطاعات هي نفسها التي تستوعب قسماً كبيراً من العمالة الوافدة، ما يجعل تعديل الشركات لكلفتها التشغيلية يمرّ غالباً عبر خفض ساعات العمل، أو دفع العمال إلى إجازات غير مدفوعة، أو تقليص الرواتب، أو الاستغناء عن جزء من القوّة العاملة. لذلك، لا يظهر أثر الأزمة فقط في مؤشرات النمو، بل في دخل مئات آلاف العمال الذين تعتمد عائلاتهم في آسيا على تحويلاتهم.

Leave A Reply

Your email address will not be published.