هل دخل لبنان مرحلة الشحّ النقدي؟

بدأنا نشعر في لبنان، ولا سيما في سوقنا المحلية، شحّاً في الليرة اللبنانية والدولار الأميركي. فما هي أسباب هذا النقص؟ وهل هناك مخاوف ومخاطر على سعر الصرف؟

إنّ النقص في الليرة اللبنانية يرتبط مباشرة بسياسة المصرف المركزي، الذي يحاول السحب من السوق المحلية، لبعض الأوراق النقدية بالعملة المحلية، ليُخفِّف من عمليات شراء الدولار أو أي محاولة مشبوهة للتلاعب في سعر الصرف.

الكتلة النقدية الموجودة في السوق المحلية توازي اليوم نحو 750 مليون الدولار، أي نحو 66 تريليون ليرة لبنانية، والتي تُستخدم في إطار معاملات الدولة وتسديد مستحقاتها الرسمية.

أمّا على صعيد الدولار، فإنّ النقص الملحوظ يرتبط بثلاثة عوامل مختلفة ومرتبطة خصوصاً بالعرض ومصادر تأمين العملة الخضراء التي تواجه ضغوطاً على أصعدة عدة.

إنّ المصدر الأول للدولار هي الحركة الاقتصادية، والتبادل التجاري والإستثمارات الداخلية والإنماء، والتي تكبّدت شللاً كبيراً من جميع النواحي من بعد حرب الـ45 يوماً التي فُرضت علينا.

المصدر الثاني الأساسي يكمن بتحويلات المغتربين اللبنانيِّين، التي انخفضت أيضاً جرّاء الحرب الإقليمية والضغوط على المغتربين المقيمين في بلاد الخليج، وانخفضت جرّاء اشتعال الحرب في الشرق الأوسط.

والمصدر الثالث الذي لا يُمكن غضّ الطرف عنه، هو التمويل عبر الإقتصاد الأسود غير الشرعي وغير المعلن. هنا أيضاً فإنّ الدولارات التي كانت تأتي من الخارج بطريقة غير شرعية لتمويلات عديدة، لسنا في وارد ذكرها في هذا المقال، أيضاً انخفضت بطريقة جذرية.

لذا، يعاني القطاع المصرفي شحّاً في العملة الخضراء جرّاء الأسباب والمصادر والمذكورة.

من جهة أخرى، ليس سراً، أنّ اقتصادنا المحلي هو اقتصاد مدولر بامتياز، إذ يبلغ نحو 90% في معظم المعاملات المالية. حتى أنّ الرواتب التي تُدفع بالليرة اللبنانية تُحتسب بالدولار ومن ثم تُحتسب وفق سعر الصرف الحالي.

أمّا بالنسبة إلى الـ10% المتبقية من المعاملات، فهي مرتبطة مباشرة بالمعاملات الرسمية في القطاع العام، وتكمن أساساً في دفع الضرائب والـ TVA والجمارك والمعاملات العقارية وغيرها.

هكذا تضغط الدولة والمركزي على المواطنين والشركات، لإجبارهم على بيع بعض سيولتهم بالدولار الأميركي إلى الليرة اللبنانية، وهكذا يستطيع المركزي سحب بعض السيولة بالعملة الخضراء لضخّها من جديد عبر تعميمَي 158 و166.

لذا، للأسباب المطروحة، لا يوجد في الوقت الحالي مخاطر كبيرة على سعر الصرف إذا تابع المركزي سياسته بالحدّ من الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية، وسحب بعض الدولارات من السوق.

نذكّر أنّ الإنهيار الكبير الذي عشناه جرّاء الأزمة الماضية، كان بعضه مبطّناً جرّاء تطبيقات الـ Application، التي كانت تتلاعب بسعر الصرف، وأيضاً جرّاء الكتلة النقدية الموجودة في السوق.

في المحصّلة، لقد خسر لبنان والإقتصاد اللبناني واللبنانيّون كل مكوّنات الصمود والمرونة، وليس في استطاعتنا امتصاص الأزمات المالية والنقدية والضغوط الجديدة التي نعيشها. ما خسرناه هو الركن الأساس للصمود وإعادة الإنماء، وهو عامل الثقة، الذي دُمّر ليس فقط جرّاء الحروب الخارجية، لكن خصوصاً جرّاء الحروب الداخلية، والإنشقاق الشاسع والتباعد في الرؤى والإستراتيجيات.

Leave A Reply

Your email address will not be published.