كواليس باريس: هذا ما جرى
كثيرة هي التساؤلات المطروحة حول النتائج التي قد تكون خرجت بها الاجتماعات التي عقدت مع صندوق النقد الدولي، في باريس الأسبوع الماضي. لكن الأكيد أنه من غير العادل الادعاء أنها فشلت في تحقيق الأهداف التي عُقدت من أجلها، وقد يكون العكس صحيحًا.
في الواقع، ولكي نحكم بموضوعية على ما جرى ينبغي جمع كل ما تمّ التوصّل إليه في الاجتماعات الرسمية وغير الرسمية. إذ بالإضافة إلى اللقاءات التي ضمّت الوفد اللبناني الذي تشكّل من وزيري المالية والاقتصاد وحاكم مصرف لبنان، هناك مباحثات جرت أيضًا بين وفد الصندوق، وشركة الاستشارات المالية العالمية “أنكورا”، التي تمثل القطاع المصرفي اللبناني، بالإضافة إلى شركة “روتشيلد” التي تمثل مصرف لبنان.
مجموعة من النقاط جرى بحثها في كل هذه اللقاءات، يمكن اختصارها بالتالي:
أولاً- تراتبية المسؤوليات في توزيع الخسائر. وكيفية التعاطي مع مسألة الأموال التي سيتمّ تصنيفها ضمن الشوائب.
ثانيًا- ديون الدولة لمصرف لبنان.
ثالثًا- اللغط المثار حول مبلغ الـ 100 الف دولار الذي يُفترض أن يُدفع نقدًا للمودعين.
رابعًا- احتساب الاحتياطي الالزامي الموجود في مصرف لبنان.
في النقطة الأولى المتعلقة بتراتبية المسؤوليات في توزيع الخسائر، أصرّ صندوق النقد على موقفه لجهة تصفير رساميل المصارف قبل حسم الشوائب. الغريب، أن موقف الصندوق المتعنت حيال هذه النقطة يتمّ رغم أن معايير المحاسبة العالمية، والتي استعرضها مصرف لبنان في المحادثات، تنصّ على عكس توجهات صندوق النقد.
في الموازاة، أبدى صندوق النقد موقفًا متفهمًا، من كل النقاط الباقية التي جرت مناقشتها.
لم يمانع صندوق النقد في أن يُعاد النظر في فترة دفع الـ 100 ألف دولار. إذ إن مصرف لبنان يطالب بإدخال تعديلات تسمح بتمديد هذه المهلة، على الأقل لبعض الفئات الميسورة، أو تحويلها إلى طرق دفع غير نقدي لأصحاب الودائع الكبيرة. كما وافق الصندوق على حسم المبالغ التي دُفعت للمودعين وفق التعميمين 158 و166.
في موضوع الاحتياطي الالزامي، كان التوجّه السابق لدى مصرف لبنان يقضي بإضافة مبلغ الاحتياطي الموجود لديه إلى مجموع الديون التي يدين بها للمصارف، بما يعني أنه يريد احتساب المبلغ من حصته في عملية دفع الودائع. في المقابل، طالبت المصارف باحتساب هذا المبلغ من حصتها، لكي تستخدمه في تسديد الودائع. نتيجة المداولات في باريس، أصبح هذا الموضوع مطروحًا للبحث مجددًا. وهناك اقتراح كحلٍ وسط يقضي باعتبار الاحتياطي الالزامي من حصة المودعين حصرً، بحيث يتمّ استخدامه لدفع الودائع نقدًا، وما يتبقى من مطلوبات يتمّ تقسيمها وفق منهجية تقسيم الخسائر بنسبة 60 % للمركزي و40 % للمصارف.
في موضوع دين الدولة لمصرف لبنان، لمس المفاوضون تغييًا إيجابيًا في موقف الصندوق، خصوصًا بعدما تبيّن أن الدولة سحبت من مصرف لبنان طوال 15 سنة حوالى 63.5 مليار دولار، وهذا الرقم تكشّف، بعدما أنجز مصرف لبنان احتساب ما له وما عليه حيال الدولة. ومع ذلك يكتفي المركزي بالمطالبة بـ 16.5 مليارًا مع فوائد قانونية لا تتجاوز الـ 3 %.
الخطوات التي تحققت في كواليس اجتماعات باريس، تشجّع على مواصلة الضغط في اتجاه تصحيح الخلل الذي لا يزال قائمًا، وعلى رأسه مسألة حسم الشوائب قبل شطب رساميل المصارف، لضمان قدرة القطاع المصرفي على الاستمرار والمساهمة في تسديد الودائع. وهذا الأمر يحتاج على الأرجح إلى ضغط سياسي من الحكومة، طالما أن الجانب التقني قد استُنفد. لكن المشكلة المستجدة تكمن في قدرات الدولة على تسديد بعض التزاماتها، بعد الخسائر التي قد تُمنى بها نتيجة الحرب. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية، التي تحتاج إلى قرارات جريئة وواضحة في المستقبل.