التعليم للنازحين من قرى المواجهة متعذر 

في مراكز النزوح، حيث تعيش العائلات داخل مساحات ضيّقة، وتنحصر الأولويات بضرورات البقاء على قيد الحياة، يغدو التعليم لكثير من النازحين من قرى الحافة الأمامية والمناطق المحاذية لها، ترفاً ليس إلّا.

«كيف بدك أستاذ أو تلميذ يفكر بالتعليم وبعدو عم ينتقل من مطرح لمطرح ومش عارف وين رح ينام؟»، يسأل مدير إحدى المدارس الرسمية، بالنيابة عن كثير من الأهالي والتلامذة والأساتذة. من ميس الجبل إلى مجدل سلم، مروراً بشقرا وبنت جبيل وعيترون والطيبة، يتكرّر المشهد نفسه: نزوح على وقع الإنذارات والقصف الواسع، واستجابة ضعيفة نتيجة تلكّؤ المسؤولين في التخطيط والتحضير المُسبق لها. «خرجنا بالثياب التي علينا»، يقول المدير نفسه، مشيراً إلى أن كثيرين غادروا من دون مستندات أو أدوات تعليمية، ولا تزال عائلات كثيرة بلا مأوى ثابت، أو تعيش في منازل مكتظّة تضم أحياناً أكثر من عشرين شخصاً.

في مثل هذه الظروف، يصبح الحديث عن انتظام العملية التعليمية بلا معنى، إذ لم تُؤمّن الحاجات الأساسية من مأوى وغذاء واستقرار نفسي بعد، ما يجعل أيّ مقاربة تربوية تقليدية غير قادرة على استيعاب هذا الواقع الاستثنائي.

ورغم ذلك، تتجه وزارة التربية نحو استكمال العام الدراسي وإجراء الامتحانات الرسمية، علماً أنها لم تحسم تصوّرها لذلك بعد. وهي خطوة لا يعارضها التربويون من حيث المبدأ، بقدر ما يدعون إلى مقاربة تراعي خصوصية هذه المناطق. «نحن لسنا ضد الامتحانات، بل مع إجرائها، لكن ليس بأي ثمن»، يوضح مدير إحدى الثانويات، مشيراً إلى أن «وضع تلامذة القرى الأمامية يختلف كلياً، ليس فقط عن باقي لبنان، بل حتى عن مناطق جنوبية أقلّ تضرراً».

أحد المدرسين من القرى الأمامية يصف التعليم أونلاين بالاكذوبة، فجميع الدروس ستعاد بعد انتهاء الحرب، والقضية ليست مجرد 20 جيغابايت انترنت لمنصة تعليمية، سائلا: «أين الكهرباء؟ وكيف يمكن معلمات موجودات في مراكز نزوح تضم 10 أشخاص بالغرفة، أن يعطين درساً عن بعد ومتى يدرسن أطفالهن؟ وعلى أي هاتف؟

ثم ماذا قدمت الوزارة لاستاذ اضطر لاستئجار شقة بـ2000 دولار مكرهاً، أي ما يعادل راتب شهرين، ليستمر ويضحي؟ أما الطلاب، فهم يعيشون في غرف أو شقق مكتظة، ومن دون كهرباء، ورسوم الاشتراك قد تصل إلى أكثر من راتب معلم في الشهر. ويستغرب الإصرار على انطلاقة التعليم وكأن أحداَ في مكان ما يريد أن يظهر لبنان غير متأثر بالحرب التي تدور في «لبنان آخر»، ويظهر أنه غير معني بهذه الحرب، بينما «تعودنا في كل حرب أن يكون هناك تجاز أزمات وتجار شقق وتجار اعاشات والاستاذ آلة مجردة من الاحاسيس تنفذ فقط ما يملى عليها، والتلميذ مجرد رقم احصائي، في حين أن من يجني ارباح الصفقة موجود في غرف مكيفة ولا يعنيه ما يجري في الخارج».

هذه الشهادات تكشف فجوة كبيرة بين الواقع الميداني والقرار التربوي المركزي. فـ«نحن في مكان، والسلطة في مكان آخر»، يقول المدير نفسه، في إشارة إلى غياب إجراءات استثنائية تتناسب مع حجم الأزمة، واعتماد مقاربة «لا تأخذ في الاعتبار الفوارق الكبيرة بين مناطقنا وسائر المناطق».

ويؤكد الأساتذة أن الوضع الراهن أصعب من مرحلة ما بعد عدوان أيلول 2024، حين احتاجت المدارس إلى نحو عشرين يوماً لاستعادة انتظامها، بعد انتهاء الحرب وعودة الأهالي إلى قراهم. أمّا اليوم، فتبدو التحدّيات مضاعفة، مع دمار المنازل والأضرار الواسعة في البنى التحتية وانقطاع الكهرباء والخدمات الأساسية، ما يجعل الحديث عن عودة سريعة إلى التعليم غير واقعي.

ولا تقتصر الأزمة على التلامذة، بل تشمل الأساتذة أيضاً، الذين يعيشون ظروف النزوح والضغط المعيشي نفسها، وسط تراجع قدرتهم الشرائية وتأخّر تلبية بعض مطالبهم، رغم إقرار زيادة ستة رواتب إضافية لهم، ما ينعكس بدوره على العملية التعليمية برمّتها.

وسط هذا الواقع، يبرز هاجس كبير، وهو انتهاء العام الدراسي من دون حصول هؤلاء التلامذة على التعليم الأساسي المطلوب، إذ يستحضر المدرّسون تجارب سابقة أظهرت حجم الخسائر التعليمية التي يمكن أن تلحق بهم، ما يزيد القلق من اتساع الفاقد التعليمي وتأثيره على مستقبلهم الدراسي.

أمام هذا المشهد، يدعو تربويون إلى حلول غير تقليدية، تبدأ بالاعتراف بخصوصية هذه المناطق، مروراً بتكييف المناهج، واعتماد آليات تقييم مرنة، وصولاً إلى تأمين دعم نفسي واجتماعي للتلامذة. ويختصر أحدهم التحدّي، بالقول: «الأمر لا يقتصر على إنقاذ العام الدراسي فحسب، بل على تفادي خسارة جيل كامل. التعليم مهم واستمراره ضروري، لكن هل يمكن فرضه بالطريقة نفسها على الجميع، في ظل واقع غير متكافئ إلى هذا الحدّ؟».

Leave A Reply

Your email address will not be published.