بيروت 1… عودةُ الثِّقة وانطلاقةُ النُّهوض: مؤتمرٌ مفصليٌّ يعيد لبنان إلى الخريطة الاقتصاديّة
بقلم هشام مكمّل؛ رئيس جمعيّة الضرائب اللبنانيّة وعضو تجمّع رجال وسيدات الأعمال اللبنانيين RDCL
شكَّل انعقادُ مؤتمر «بيروت 1 – إعادة الثِّقة» قبل أيّام قليلة من عيد الاستقلال الـ82 محطّةً وطنيّة واقتصاديّة بالغة الأهميّة، تؤكِّد أنّ لبنان، على الرغم ممّا عصَف به من أزماتٍ وحروبٍ وانهيارات، لا يزال قادرًا — بل مُهيّأً — للنهوض من جديدٍ بقوّة إرادة أبنائه، وبمساندة أشقّائه العرب وأصدقائه الدُّوليّين. فجَمعُ هذا العدد الكبير من المستثمرين العرب والأجانب واللبنانيين، مقيمين ومغتربين، إلى جانب المؤسّسات والصناديق الدولية، يشكّل بحدّ ذاته رسالةً واضحة بأنّ لبنان لم يخرج من دائرة الاهتمام، وأنّ عناصر الجذب ما زالت قائمة متى أحسنّا تنظيمها وتقديمها.
لقد جاء المؤتمر ليُثبِت أنّ مسار استعادة الثقة قد بدأ فعليًّا، وأنّ ما يقوم به فخامة رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون، ودولة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام، يترجم بخطواتٍ إصلاحيّة واضحة ومتدرّجة. فمنذ خطاب القَسَم، تشكّل مشروع إعادة بناء الدولة بمكوّناتها كافة خريطةَ عملٍ تقوم على: بسط الأمن على كامل الأراضي اللبنانية، مكافحة الفساد، إعادة هيكلة الإدارات، ضبط الحدود ومكافحة التهريب، معالجة الأزمة المالية، إعادة هيكلة المصارف وضمان الودائع، تحفيز الاستثمار، وتعزيز استقلاليّة القضاء… وكلّ ذلك بغية إعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي كجسرٍ فاعلٍ بين الشرق والغرب.
خارطة الطَّريق الاقتصاديّة: رؤيةٌ منهجيّة وفرصٌ استثماريّة واعدة
قدّم وزير الاقتصاد والتجارة الدكتور عامر البسّاط خلال المؤتمر خارطةَ طريقٍ استثماريّة شاملة تهدف إلى إعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني من خلال خطواتٍ تنفيذية واضحة بدأت الحكومة العمل بها وستُستكمَل في المرحلة المقبلة. وقد تضمّن عرضه تفصيلاً دقيقًا للقطاعات العامة والخاصّة القادرة على جذب الاستثمارات، وللجدوى والربحيّة المتوقّعة خلال فترة قصيرة، مؤكّدًا أنّ الوقت الحالي هو الأمثل للاستثمار، تزامنًا مع ورشة إعادة بناء مؤسّسات الدولة وعودة الدورة الاقتصادية إلى التفعيل.
أمّا رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي السيّد شارل عربيد، فشدّد من جهته على أنّ لبنان ينهض دائمًا من تحت الرُّكام، وأنّ قيمته الحقيقية تكمن في مبادرات أبنائه وطاقات شبابه، وفي قدرته الدائمة على الابتكار والإبداع. وذكّر بأنّ لبنان ليس فقط طبيعة وسياحة ومطبخًا، بل هو ملاذٌ استثماريٌّ بامتياز لا يجوز إضاعة فرصته.
جلساتُ المؤتمر القطاعيّة: مشهدٌ إصلاحيٌّ واضح وخارطة تقدُّم دقيقة
شهد المؤتمر سلسلةً من الجلسات الحوارية النوعيّة التي قدّم خلالها الوزراءُ والمسؤولون المعنيّون عروضا دقيقة وشفّافة حول ما أُنجز وما يجري استكماله.
فوزير المالية ياسين جابر أكّد انطلاق ورشة الإصلاح المالي والضريبي، مشيرًا إلى الوفر المتوقّع في موازنة 2025، وما يليها من وفورات أكبر في 2026، الأمر الذي سيعزّز فرص الاتفاق المرتقب مع صندوق النقد الدولي ويحدّ من الهدر والفساد والتهرّب الجمركي والضريبي.
أمّا حاكم مصرف لبنان، فأوضح استمرار العمل على حوكَمة المصرف المركزي، ووضع حلولٍ حاسمة لضمان الودائع ومعالجة الفجوة الماليّة، مع التشديد على استقرار سعر الصرف وتعزيز قيمة الليرة.
ومن ناحيته، شدّد الوزير السابق محمد شقير على أنّ القطاع الخاص هو من حفظ نبض الاقتصاد خلال السنوات الخمس الأخيرة، وأنّ مواصلة الاستثمار رغم الأزمة تُعدّ دليلًا دامغًا على الثقة الداخلية بالبلاد. وقد تجلّى ذلك في الارتفاع الملحوظ بعدد المصانع الجديدة لا سيّما في الصناعات الغذائية والدوائية والزراعية، إضافة إلى الاستثمارات الفندقية الخليجية والمشاريع السياحية والخدماتية.
بدوره، قدّم وزير الصحة العامة الدكتور راكان ناصر الدين عرضًا مفصّلًا للإجراءات المتّخذة في دعم الاستشفاء العام، والمرضى ذوي الأمراض المستعصية والسرطانية، إلى جانب خطّة إعادة تأهيل المستشفيات الحكومية.
كما عرضت وزيرة التنمية الاجتماعية حنين السيّد برنامج المسح الاجتماعي وخطة مكننة الملفات لتعزيز فرص العمل بحسب القدرات. ومن جهته، قدّم وزير الزراعة نزأر هاني برنامجًا متكاملًا لدعم الزراعة الحديثة والتعاونيات والمزارعين. كذلك عرض وزير الطاقة والمياه جو صدي مشاريع الطاقة المتجدّدة ومسارات الاستثمار فيها، فيما شرحت وزيرة السياحة لورا لحود خطة الوزارة لاستقطاب المستثمرين وفق برنامجٍ زمني واضح.
وعلى صعيد البنى التحتية، عرض وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني ما أُنجز في ملفّي مرفأي بيروت وطرابلس، إضافة إلى خطة إعادة تأهيل مطار القليعات وتطوير مرافق أخرى.
أمّا وزير الصناعة جو عيسى الخوري، فسلّط الضوء على التطوير الحاصل في رقمنة الوزارة وتحسين الأداء الصناعي، مشيرًا إلى النجاحات العالمية التي يحققها القطاع الصناعي اللبناني، وعلى رأسها إنجازات رئيسة تجمّع رجال وسيدات الأعمال السيدة جمانة شَعيا في مجال الإنارة المتميزة دولياً بصناعة وتصاميم لبنانية بالإضافة إلى مشاريع صناعية في مجال الزراعة وصناعة الروبوتات التي أصبحت تصدر من لبنان إلى اميريكا وألمانيا ودول أخرى .
وفي السياق ذاته، أكّد الوزير كمال شحادة أهميّة رقمنة الدولة كمدخلٍ للشفافية ومكافحة الفساد والبيروقراطية وما تم اتخاذه من إجراءات للتحول الرقمي لكافة ادارات الدول.
ومن جهته، أوضح وزير التنمية الإدارية الدكتور فادي مكي منهجية التعيينات القائمة على الكفاءة، والخطوات المتّبعة لرقمنة الوزارة وزيادة الإنتاجية في الإدارات العامة.
وفي موازاة ذلك، شدّد أمين سر الهيئات الاقتصادية نقولا شماس على مدى ترابط القطاعات الاقتصادية، مؤكّدًا أن أي توسّع صناعي أو استثماري سينعكس حكماً على القطاع التجاري وعلى الدورة الاقتصادية بكاملها.
كلمة رئيس الحكومة: بسط سيادة الدولة والإصلاحُ خيارٌ ثابت والمسارُ مستمرّ
في الجلسة الختامية، أكّد دولة رئيس مجلس الوزراء القاضي د. نواف سلام أنّ الحكومة ماضية في فرض سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وأنّ مسار الإصلاحات لن يتوقف، مشدّدًا على حفظ أموال المودعين والاقتراب من إنهاء قانون الفجوة المالية. كما أعلن إنجاز التعديلات على قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإحالته إلى مجلس النواب لإقراره، مشيدًا بالمشاركة العربية والأجنبية بالمؤتمر ، لا سيّما الوفد السعودي، ومؤكّدًا العمل لإعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي ضمن الحضن العربي.
بيروت 1: منبرُ فعليّ للفرص… لا منصّةٌ للاستعطاف
إنّ الخطوة التي قام بها الوزير عامر البساط بتنظيم مؤتمر بيروت 1 تُعدّ خطوة تأسيسية لإعادة تقديم لبنان كدولة فرصٍ واستثمار، لا كدولة أزمات. فالمؤتمر لم يكن منصّة لطلب المساعدات، بل منبرًا لعرض الفرص الفعلية وإطلاق شراكات محتملة بين لبنان والمستثمرين اللبنانيين والعرب والأجانب، انطلاقًا من علاقات الأخوّة ومن ثقة المجتمع الدولي بقدرات اللبنانيين.
والمطلوب اليوم هو استثمار هذا الزخم من خلال إعداد ملفّات مكتملة للمشاريع الاستثمارية في كل القطاعات، وطرحها أمام المستثمرين والصناديق العربية والدولية، بما يفتح الباب أمام مرحلةٍ تنفيذية تترجم نتائج المؤتمر إلى اتفاقيات ومشاريع فعلية قريبة.
نافذةُ انطلاقٍ نحو مرحلةٍ اقتصادية جديدة
إنّ مؤتمر بيروت 1 ليس حدثًا عابرًا، بل نقطة انطلاقٍ حقيقية لمسارٍ طويل طال انتظاره: مسار إعادة بناء الدولة، والنهوض الاقتصادي، واسترداد الثقة. ومع استمرارية هذا النهج عبر مؤتمرات لاحقة، يمكن للبنان أن يفتح أخيرًا صفحةً جديدة تُرسّخ الاستقرار وتعيد إطلاق العجلة الاقتصادية بدعم شركائه العرب والدوليين.