هل تبقى استقلالية النقد بمعزل عن المحاسبة؟
استقلالية البنوك المركزية تضمن استقرار النقد، وتفعل الاقتصاد. كينز، (مذكرة في إصلاح النقد، 1923) اعتبر السياسة النقدية وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية. أوضح كيف يعيد التضخم والانكماش توزيع الثروات اعتباطيا بما يضر بالعقد الاجتماعي والثقة بالاقتصاد. فاستقرار الأسعار بالنسبة اليه ضمانة دستورية تمنع التحويلات الخفية للثروة من الفقراء إلى أصحاب النفوذ المالي. فالتلاعب بالنقد يقوّض الثقة بالمؤسسات ويضر بالديمقراطية. اعتبر بانّ السياسة النقدية يجب ان تقوم على الانضباط والشفافية والمرونة. هذا ما كان يفتقده لبنان.
لكن هل انهيار (2019) اتى جراء استقلالية النقد عن السلطة السياسية ام العكس؟ الأكيد انه اتى نتيجة اللامحاسبة.
السياسة النقدية المستقلة ظاهريا عن السلطة السياسية لم تكن مستقلة عن النخب. فمصرف لبنان الذي عمل بهامش واسع في بيئة مؤسسات ديمقراطية ضعيفة، كان من أسباب الانهيار. سياسات الفوائد العالية والهندسات المالية لجذب الدولارات، وجّهت ائتمان الناس الى المضاربات والاستهلاك بدل النمو. وعندما توقفت التدفقات بسبب المناخات السياسية حصل الانهيار، ويجري الان نقل الخسائر إلى المودعين.
المال ما كان وسيطاً طبيعياً للسوق بل نتاج سلطة ممسوكة من نخبة، حددت معاييره وكيفية تداوله. فالنظام النقدي يحدد كيفية وماهية وهوية من يحصلون على السيولة، وكيفية توزيع الائتمان.
سياسات المركزي أدت الى تنامي اقتصاد دفتري. انتجت استقلالية مصرف لبنان تبعات توزيعية. اخفت هذه الاستقلالية تبعية ضمنية للاعبين الكبار في الاقتصاد بدون رقابة ديمقراطية. وهذا ما تكلم عنه إبستين (2019) الذي اعتبر بانّ المصارف المركزية تشكل جزءا من شبكات المصالح المصرفية، ما يجعل قراراتها في خدمة أرباح البنوك التجارية على حساب الصالح العام. ستيغليتز (2018) دعا الى اخضاعها للمساءلة العامة بسبب آثار سياستها النقدية التوزيعية. فإدارة النقد يراد بها تثبيت الاقتصاد (مينسكي، 1986) لانّ الأنظمة المالية غير مستقرة بطبيعتها.
دروس انهيارنا المالي تدعونا الى بناء نظام نقدي شفاف يخضع للمساءلة ويحفز النمو. فلا يمكن فصل السياسة النقدية عن العدالة الاجتماعية. وهذا ممكن ان أعدنا تنظيمه بما يضمن بعض الاستقلالية عن المصالح لكن ليس عن الصالح العام، فنوائم النمو والعدالة.