تعديل المهور في لبنان: حماية للأسرة أم عبء على الأزواج؟
في ظل التدهور الاقتصادي الذي يعيشه لبنان، برز القرار رقم 13 المتضمن الموافقة على نظام أحكام الأسرة للمحاكم الشرعية والسنية في لبنان وخصوصاً المادة 117 من هذا القرار المتعلقة بتعديل المهور بالعملة الورقية لعقود الزواج قبل 1-1- 1993، كمحاولة شرعية لتنظيم مسألة المهور القديمة ومراعاة المتغيرات النقدية، بهدف الحد من التفكك الأسري وضمان العدالة للطرفين.
في حديث لـ “نداء الوطن” يقول المحامي لؤي زكريا: “بالنسبة للقرار رقم 13 الصادر عن المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى بتاريخ 19/4/2025، وبناءً على قرار اللجنة التشريعية في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى رقم واحد بتاريخ 7/1/2025، وعلى قرار المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى رقم تسعة بتاريخ 11/1/2025، واستناداً إلى المصلحة الدينية الشرعية العليا، وأمام الواقع الذي نعيشه في المحاكم الشرعية، لا سيما مع تدني سعر العملة اللبنانية، فإننا نجد العشرات من الأسر تُدمَّر بإرادة منفردة، وهي إرادة الرجل الذي يلفظ الطلاق أمام واقع انخفاض قيمة المهر، سواء بسبب حقيقي أو غير حقيقي، ما اقتضى تدخلاً من السلطة الشرعية للحد من تدمير هذه الأسر بدون أي سبب. ومن المعروف أن القوانين هي رادع في الأساس لمثل هذا التفكك، ومن هنا، نجد أن قرار تعديل المهر، وإن كان البعض يراه مجحفاً له، فإن الكثير من العائلات سترى فيه إنصافاً وعدالة، لأن الحق الشرعي المعطى للرجل، وهو حق لفظ الطلاق ووقوعه بإرادة منفردة، سيؤدي إلى التزامات مادية مترتبة في ذمته، فبات واجباً عليه أن يحسب حساب كل ذلك، أو أن يعدل عن الطلاق.
ويوضح زكريا أن “عدم شمول القرار المهور المحددة بالدولار الأميركي، رغم تأثر هذه العملة أيضاً بالتقلبات الشرائية، فإن ذلك مرده إلى أن هذه التقلبات تكون أحياناً صعوداً وأحياناً نزولاً لأسباب سياسية واقتصادية عالمية، ولكن في الحد الأدنى، فإن القدرة الشرائية تكون مقبولة بوجود مهور محددة بالدولار الأميركي، على العكس تماماً من المهور المحددة حصراً بالليرة اللبنانية”.
وعن اعتماد الأونصة الذهبية مرجعاً دون وضع سقف لقيمتها، رغم ارتفاعها المستمر، يقول زكريا إنه “يعود لمصلحة الطرفين، إن كان الرجل أو كانت المرأة. فعلى سبيل المثال، إن وُضع سعر محدد للأونصة وهو 2000 دولار أميركي، فإن سعر الأونصة هو سعر متحول ومتحرك قد يزيد إلى 4000 أو قد يعود إلى ما كان عليه سابقاً، فيصبح أقل بكثير من ذلك. بالتالي، عند تحديد سعر الأونصة يُحترم الطرفان، وليس طرفاً واحداً. من هنا، نرى المساواة سواء في الارتفاع أو الانخفاض”.
أما عن التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للقرار، والقول بدخول عدد كبير من الأزواج إلى السجون يشرح زكريا أن ذلك “ليس في محلّه القانوني والواقعي، بل على العكس، فإن ذلك يؤدي إلى عدم التفكك الأسري، وبالتالي إلى الحماية الاجتماعية. ولمن يرغب في إنهاء هذه العلاقة الأسرية ولأسباب حقيقية، وليس تسلطاً، عليه أن يلجأ إلى الأصول القانونية الشرعية، ومنها إقامة دعوى تفريق، بعيداً من التسلط، وقد تكون من مصلحة الرجل وضرراً للمرأة إذا ثبت ارتكابها لفعل يحملها الخسارة. وبالتالي نعود إلى القاعدة الأساسية: القانون هو القانون الرادع للطرفين، وبالتالي هو حماية لكل منهما بقدر مخالفاته وأفعاله”.
كذلك يؤكد زكريا أن “ما هو ظاهر في القرار هو فهم واضح وواقعي للظروف الاقتصادية المعيشية، فهو يقوم على حماية الطرف الأضعف من تسلط الطرف الأقوى في موضوع الطلاق اقتصادياً ومعيشياً، وبالتالي فإن الغاية من هذا القانون هي ما ذُكر سابقاً: أي مصلحة دينية، شرعية، واجتماعية”.
بينما في موضوع الموازنة بين حق المرأة في المهر العادل مع قدرة الرجل الفعلية على السداد، فإن هذا القانون، وكأي قانون، بحسب رأي زكريا “يحقق العدالة المجتمعية لجميع الأطراف، وهو ليس انحيازاً مع أحد ضد أحد، بل إن السبب الذي استند إليه أنه في العقود التي تُبحث اليوم، فإن عمرها حالياً يناهز 35 سنة، أي أن عمر الزوجين يفوق الخمسين سنة، ولديهما أولاد وأحفاد. وإن البحث بهذا الأمر، وحقيقة هذا القانون، يُظهران أنهما جاءا لحماية المجتمع الذي ننتمي إليه من الانهيار”.
يبقى نجاح القرار مرهوناً بقدرته على تحقيق توازن بين الواقع الاقتصادي والعدالة الشرعية، بما يحفظ كرامة الأسرة ويمنع الانهيار الاجتماعي المتسارع.