لبنان وفعل الحوكمة الرشيدة السيادية: المقوّمات والتحدّيات

لبنان، حيث تَتَنازَع فيه الدولةَ قوى متعدّدة الولاءات، ويتداخل المحلي بالإقليمي والديني بالسياسي، يغدو الحديث عن الحوكمة الرشيدة بمنأى عن أي ترف أكاديمي وأي شعارات ممجوجة، بل حاجةً وطنيةً وجودية، ومطلباً سيادياً قبل أن يكون إدارياً. الدولة اللبنانية تتهدّدها عوامل التفكك والانهيار، ولا تستقيم لها حياة من دون بوصلة دولتيّة تُعيد المعنى للشرعية، والنظام، والقرار الوطني المستقل، وهذا ما تحمله المرحلة الجديدة من بشائر بنّاءة رغم كلّ المعوّقات.
لقد شكّلت انتفاضة اللّبنانيين في خريف عام 2019 لحظةً مفصلية، لا فقط من جهة الاحتجاج الشعبي على الفساد والإفقار والتدهور العام، بل لأنّها عكست انكسار الثقة التام بين المواطن ودولته. لم يعد اللّبناني يثق بعدالة الإدارة، ولا بشفافية المؤسسات، ولا بنزاهة السّلطة، ولا في شرعيّة الانتظام العامّ. لا تُحلّ هذه المعضلة بالتوازنات السياسية، ولا بتسويات ظرفية، بل عبر مشروع شامل لإعادة بناء الدولة من خلال حوكمة رشيدة تكرّس السيادة، وتعيد صياغة العقد الاجتماعي المبني على الدستور على أسسِ المواطنة المحتضنة للتنوّع.
الحوكمة الرشيدة كما عرّفتها المنظمات الدولية، ولا سيّما البنك الدولي ومنظومة الأمم المتحدة، هي نظام إدارة يقوم على مبادئ الشفافية والمساءلة وسيادة القانون والمشاركة والعدالة والفعالية. غير أنَّ هذه المبادئ، في الحالة اللبنانية، يجب أن تُدمَج بشكل عضوي مع مبدأ السيادة. فالحوكمة التي تنفصل عن استراتيجية أمن قومي-وطني، وتُدار تحت تأثير قوى الأمر الواقع أو التدخلات الأجنبية، إنما تُنتج إدارة خاضعة، لا دولة حرة. من هنا فإنّ الحوكمة الرشيدة في لبنان، لا يمكن أن تتحقق، ما لم تكن سياديّة، خالية من الإملاءات، وقائمة على قرار وطني حرّ، متجسّدة بمؤسسات تُمثّل المجتمع .بأسره لا طوائفه أو أحزابه حصراً.

ليست الأزمة في لبنان محصورة في الاقتصاد أو في النقد، كما أنَّها لا تقتصر على الفساد وسوء الإدارة. إنَّها أزمة سلوك سياسي قائم على الطائفية السياسية، وعلى تقاسم النفوذ بين الزعامات، وعلى ارتهان القرار العام للمصالح الفئوية. ما لم يُعالج هذا الخلل البنيوي في أصل النظام السياسي، فإنَّ أي إصلاح إداري أو تقني يبقى محدود الأثر. فكيف يمكن الحديث عن شفافية، في ظل محاصصة تُفَصِّل الإدارة على مقاس الولاءات؟ وكيف يمكن المساءلة في نظام يُغلّب الحصانات الطائفية على منطق المحاسبة القانونية؟ وكيف يمكن لهيئات الرقابة أن تعمل إذا كانت خاضعة للنفوذ السياسي؟ وكيف تقوم المؤسسات في ظل ازدواجية السلاح والقرار؟
إنَّ الحوكمة الرشيدة السيادية، إذا ما أُريد لها أن تُبنى في لبنان، لا بدَّ أن تنطلق من قاعدة المواطنة لا الرعيَّة، ومن معيار الكفاءة لا الانتماء الطائفي، ومن مرجعية القانون لا المزاج الحزبي. هذه الحوكمة تستدعي أولاً استقلال القضاء الكامل، ليس فقط تشريعياً بل عملياً، بحيث يُصبح القاضي محصناً من الضغوط، قادراً على محاسبة الفاسدين، وعلى فضّ النزاعات من دون اعتبارات سياسية. وتستدعي كذلك تحرير الإدارة العامة من أسر التوظيف السياسي، بإقرار آليات شفافة للمسابقات والتعيينات، وإنشاء أجهزة تفتيش فعّالة، وتفعيل دور ديوان المحاسبة، وتحصين الهيئات الرقابية من أي تدخّل أو تعطيل. كما تتطلب الحوكمة الرشيدة إصلاح النظام الضريبي، ليصبح أداة عدالة اجتماعية لا عقاباً للفئات الأضعف. فليس مقبولاً أن تبقى الضرائب غير المباشرة هي المصدر الأساسي للدخل العام، فيما تُهدر حقوق الدولة على يد كبار المحتكرين والمتهربين من الضريبة. لا يمكن فصل هذه الحوكمة .عن الإنماء المتوازن، الذي يعالج التفاوت بين المناطق، ويؤمن بنية تحتية متساوية، ويكافح التهميش الذي يُغذي النقمة والانقسام.
بيد أنَّ المعضلة الأعمق التي تواجه هذه الرؤية لا تكمن فقط في تفاصيل السّياسات، بل في قدرة الدولة اللّبنانية على استعادة قرارها الحر. الدولة اللبنانية التي لا تسيطر على حدودها، ولا تنفرد بحق استخدام العنف المشروع، ولا تقرّر سياستها الخارجية بمعزل عن الاستقطاب الإقليمي، هي دولة عاجزة عن ممارسة الحوكمة، بل إنَّها فاقدة للصفة السيادية، وبالتالي فاقدة لشرطها التأسيسي كسلطة مدنية جامعة. لذلك فإنَّ أي مشروعا للحوكمة الرشيدة في لبنان يجب أن يتزامن مع تثبيت مبدأ حصرية السلاح بيد الجيش والقوى الأمنية الشرعية، وضمان وحدة القرار الأمني والعسكري، وضبط المعابر الحدودية، وتحييد لبنان عن صراعات المحاور.

في موازاة ذلك، لا بد من تحرير القرار الاقتصادي من هيمنة المصالح الخاصة التي سيطرت على مقدرات الدولة عبر المصارف والشركات الاحتكارية والصفقات العمومية المشبوهة. ثمّ إنَّ استعادة السيادة الاقتصادية تبدأ بإصلاح السياسات المالية، وبوقف التوظيف السياسي للدين العام، وبإعادة هيكلة القطاع المصرفي وفق معايير عادلة، تحفظ أموال المودعين، وتعيد الاعتبار إلى دور المصرف المركزي كمؤسسة مستقلة خاضعة .للمحاسبة القانونية لا للولاء السياسي.
لا يمكن الحديث عن حوكمة رشيدة دون إشراك المواطن والمجتمع المدني في عملية الرقابة وصناعة القرار. لقد أظهرت السنوات الأخيرة حيوية المجتمع اللبناني، وقدرته على توليد مبادرات مدنية فعالة، ورفع الصوت بوجه الانحرافات، بل وتقديم البدائل أحياناً. هذه الطاقة المجتمعية يجب ألَّا .تبقى في موقع الاحتجاج، بل ينبغي دمجها في مؤسسات صنع القرار من خلال مجالس استشارية، ومسارات تشاركية، وآليات محلية للحوار والتنمية.
أمَّا التحدي الأكبر فيبقى في استعادة الثقة. الشعب اللبناني الذي تَعرّض للخذلان المتكرر من سلطته، وفقد مدخراته ومقومات عيشه، بات مُشكِكاً في أي وعود إصلاحية. من هنا فإنَّ إعادة بناء الثقة يجب أن تبدأ بخطوات رمزية ذات دلالة كبرى. محاسبة علنية للمرتكبين، كشف كامل لحسابات الدولة، تفعيل قانون حق الوصول إلى المعلومات، ووقف التعيينات والصفقات التي تُكرّس الزبائنية.
لا خيار أمام لبنان إلَّا أن يتحوّل إلى دولة مدنية حديثة قائمة على مواطنة، وحوكمة رشيدة وسيادة كاملة. فالحلول الجزئية والترقيعية لم تعد تنفع، والتسويات على قاعدة تقاسم النفوذ أثبتت فشلها. المطلوب مشروع نهضوي وطني، يُنهي عصر الطائفية السياسية، ويؤسس لعقد اجتماعي مبنيّ على الدستور، تُبنى فيه المؤسسات على أُسس الكفاءة والنزاهة، وتُحمى السيادة من كل شكل من أشكال التبعية. هذه ليست مهمّة جيل واحد، لكنها مسؤولية الجميع من مواطنين، ونخب فكرية، ومجتمع مدني، وإعلام حرّ. وحدها الإرادة السياسية النابعة من وعي مجتمعي عميق، قادرة على استعادة لبنان كدولة قانون وعدالة وحرية.

Leave A Reply

Your email address will not be published.