كرامة العامل أساس العدالة… وكلمة القانون حامية الحقوق
قولنا في عيد العمال: «العمل شرف، والعدالة في العمل حق، وكرامة العامل من كرامة الوطن».
لأن الأوطان لا تُبنى بالحبر وحده، بل بسواعد لا تعرف الكلل وقلوب تنبض بالإخلاص.
في الأول من أيار، تتجدّد المناسبة، ويتجدّد معها الوعي بأهمية الدور الذي يقوم به العامل في بناء المجتمعات واستمرار الحياة. فهو حجر الأساس في كل نهضة، والعنصر الحيّ في كل تنمية حقيقية.
إنه يوم يخرج فيه الصوت من بين آلات المصانع، ومن بين أنين الأكتاف المثقلة بالتعب، ليقول للعالم: «نحن من نصنع النبض الحقيقي لهذا الكوكب». ولولا هذا النبض، لما دارت عجلة الإنتاج، ولا استقرّت حياة البشر.
إن عيد العمال ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو محطة نضالية ومناسبة تأمّلية تضعنا أمام مسؤولياتنا جميعاً – دولةً ومؤسساتٍ ومجتمعاً – للوقوف إلى جانب الطبقة العاملة، التي كثيراً ما تُهضم حقوقها، وتُنتقص كرامتها، وتُجابه التحديات اليومية بإيمان لا ينكسر.
ومن هنا، تصبح كل لحظة صمت عن الظلم هي خيانة لقيمة العمل وجريمة في حق الإنسان.
أؤكد أن حقوق العمال ليست خياراً أو امتيازاً يمنح عند الرضا ويسحب عند الخلاف، بل هي حقوق ثابتة تستند إلى دساتير تحمي الكرامة الإنسانية، واتفاقيات دولية تُلزم الدول، وتشريعات وطنية تُجرّم الاستغلال، وتضمن لكل عامل حياة تليق بإنسانيته. ولذلك فإن صيانة هذه الحقوق واجب أخلاقي وقانوني لا يحتمل التسويف أو التراخي.
العمل ليس مجرد وسيلة للعيش، بل هو أساسٌ للاستقرار، وأداة لتحقيق الذات، ومدخلٌ للعدالة الاجتماعية. فلا يمكن تصور مجتمع عادل إذا كان فيه عامل يكدّ دون أن يجد ما يسدّ رمقه أو يؤمّن مستقبله.
ولذا، فإن أي انتقاص من حقوق العمال هو انتقاص من العدالة ذاتها، وأي تهاون في إنفاذ قوانين العمل هو إخلال بمبدأ سيادة القانون. بل إنه يُعدّ إضعافاً للثقة في مؤسسات الدولة ومساساً بالسلم الاجتماعي.
في زمن تتبدّل فيه أنماط العمل، وتنتشر العقود المؤقتة والعمل غير المنظم والمنصات الرقمية، تصبح حماية العمال أكثر تعقيداً، وأشدّ إلحاحاً.
فكل تأخير في تطوير القوانين يُنتج فراغاً قانونياً يستغله المستفيدون على حساب الكادحين.
فلابدّ من تحديث التشريعات، وتفعيل أدوات الرقابة، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل الجميع بلا تمييز، مع مراعاة التوازن بين متطلبات الإنتاج وضرورات العدالة.
وهذا لن يتحقق إلّا بإرادة سياسية صادقة وحوار اجتماعي فعّال يضع الإنسان في مركز السياسات.
كما لا بدّ من تمكين النقابات، وتعزيز ثقافة الحوار بين أرباب العمل والعاملين، حتى يكون العمل بيئةً قائمة على الشراكة لا الصراع، وعلى الاحترام لا الاستغلال. فالعلاقة المتوازنة هي وحدها التي تُثمر إنتاجاً مستداماً وعدالة متبادلة.
وفي هذا اليوم، نوجّه تحية لكل يدٍ عاملة، ولكل صوتٍ حرّ نادى بحق، ولكل قانون أنصف مظلوماً، ولكل من آمن أن العدالة في العمل ليست شعاراً، بل واجباً وطنياً وأخلاقياً وإنسانياً.
وإن أسمى القوانين هي تلك التي تنتصر للضعفاء وتُمهّد طريق الكرامة للجميع.
وفي الختام، نؤكّدُ «إذا أردت أن تبني وطناً قوياً، فابدأ ببناء إنسانٍ عاملٍ محميّ الحقوق، مرفوع الرأس، مطمئن الغد».
فالمستقبل العادل لا تصنعه الخطابات، بل تحققه القوانين العادلة والأيادي المخلصة التي تحميها.
* الأمين العام لاتحاد المحامين العرب (سابقاً)