المركزي والسياسة النقدية
من المفروض أن تعين الحكومة اللبنانية قريبا جدا حاكماً جديداً للمصرف المركزي لادارة السياسة النقدية المهمة جداً، خاصة في هذه الفترة التي نأمل خلالها أن يتعافى لبنان كليا ليس فقط في السياسة وانما في كل جوانب الاقتصاد. مواصفات الحاكم ونوابه مهمة جدا ولن «نخترع البارود» لنحددها. فلننظر الى مواصفات حكام المصارف المركزية الأساسية الناجحين جدا ونأخذ الدروس والعبر منها. حاكم المصرف المركزي الأميركي كان «بن برنانكي» الأستاذ في جامعة برينستون والذي له مؤلفات عدة أهمها دراسة أزمة 1929 بعناية. تبعه الحاكم الحالي «جاي باول» المحامي اللامع الجدي الذي يقود مهمته بجدارة حتى لو قال الرئيس الأميركي عكس ذلك. يقول ترامب أنه من غير المعقول أن يكون هنالك موظف معين لا يخضع للسلطات المنتخبة، وهذا هو حال حاكم المصرف المركزي الذي يتمتع بالاستقلالية عن السلطات الأخرى. يريد ترامب أن تكون السياسة النقدية أي عمليا تحديد الفوائد تحت سلطته وهذا في غاية الخطاء والخطورة.
حاكمة المصرف المركزي الأوروبي هي «كريستين لاغارد» وهي محامية وكانت وزيرة للمال في فرنسا وتحوز على رضى وتقدير معظم من يعمل معها ولم تتسبب بأي أخطاء في السياسة النقدية. يعين الحاكم الأوروبي لفترة واحدة غير قابلة للتجديد تدوم 8 سنوات. أما حاكم المصرف المركزي البريطاني فكان «مارك كارني» الذي أصبح اليوم رئيس وزراء كندا ثم تبعه الحاكم الحالي «اندرو بايلي» وهو متمرس بكافة جوانب السياسة النقدية منذ سنوات ودرس الاقتصاد في جامعة لندن لسنوات. لم يكن أحد من هؤلاء مستشار استثماري في الأسواق المالية أو البورصات تحديدا.
مهمة المصرف المركزي تحقيق الاستقرار النقدي، وهذا يتعارض في المبدأ مع أعمال الأسواق المالية والبورصات المرتكزة على المخاطر وتقييمها. من المؤكد أن الرئيس ترامب سيعين السنة المقبلة خلفا لباول يأتي من الأسواق وخبير استثماري ناجح في احدى البورصات الرئيسية، أي له سيرة ذاتية مختلفة جدا عن باول وبقية الحكام. لذا يجب التنبه جدا في لبنان الى من سيعين وما هي مهماته حتى لا نقع في أخطاء مكلفة نسدد تكلفتها على مدى 6 سنوات.
السياسة النقدية مهمة جدا ليس فقط بأهدافها وانما أيضا بوسائلها وفعاليتها. السياسة النقدية يحددها المصرف المركزي وتهدف الى محاربة التضخم أو ابقاء مؤشر غلاء الأسعار دون مستوى متفق عليه ومعلن. وسائلها الأساسية هي الفوائد التي عبرها يحدد نمو الكتلة النقدية وبالتالي تؤثر على الاقتصاد العام. استقلالية السياسة النقدية تعني أن قرارها غير خاضع للسلطة السياسية أي لا يمكن للحكومة اعطائها الأمر بتخفيض أو رفع الفوائد. الاستقلالية لا تعني عدم التنسيق مع السلطة التنفيذية، بل العكس صحيح اذ أن التنسيق واجب بهدف توحيد الجهود للتأثير ايجابا على الاقتصاد.
نسبة التضخم يمكن أن تكون مرنة أي اذا لم يستطع المصرف المركزي البقاء دون الهدف المحدد، يمكنه أن يبقى لفترة محدودة فوق السقف شرط العودة اليه بعد حين. كلما توسعت صلاحيات وقوة المصرف المركزي كلما هددت الاستقلالية الضرورية للسياسة النقدية الصحيحة. اذا أعطي المصرف المركزي صلاحيات رقابية أو اقتصادية أو استثمارية واسعة، يفقد استقلاليته في الممارسة ويصبح كغيره سلطة سياسية لا بد من تحجيمها لمصلحة السلطات الأخرى. اذا أراد أي مصرف مركزي الحفاظ على «نعمة» الاستقلالية، عليه أن يبقي صلاحياته في السلطة النقدية فقط والا فقد كل شيء. من غير المقبول أن يكون أي مصرف مركزي مساهما في شركة طيران أو مصرف أو معلم سياحي أو شركة مالية أو غيرها، اذ يتعدى بذلك على جوهر السياسة النقدية والاستقرار المطلوب.
هنالك تغيرات في ركائز السلطة النقدية بين ما قبل أزمة 2008 وما بعدها. من مزايا أزمة 2008، انها حصلت وأصابت بشكل خاص الدول المتطورة بدأ من الولايات المتحدة. الدول النامية بقيت متعافية ليست بالصدفة، بل لأنها مارست خلال السنوات السابقة سياسات حمائية ووقائية جنبتها الأزمة المالية الكبرى. مصارف الدول الناشئة كانت سليمة عموما وقوية برأسمالها ولم تغامر بالاستثمار بالأدوات السامة الخطرة التي اعتمدتها المصارف الغربية الكبرى. يقول «ستيغليتز» أن أزمة 2008 لم تكن قضاء وقدر بل نتيجة أخطاء الانسان وجشع المصرفيين واهمال المسؤولين. كانت أزمة مؤسسات أكثر منها أزمة اقتصادية.
تقول «جانيت يللن» الحاكمة السابقة للمصرف المركزي الأميركي ووزيرة مالية عهد بايدن أن احدى أهم وسائل السياسة النقدية هي التخاطب مع الأسواق أي اعلان أهداف المصرف المركزي وكيف سيحققها. هذا يسهل عملها ويخفف المخاطر الداخلية في الأسواق كما يؤثر على توقعات المواطنين ويخفف ضبابية الأسواق العامة. سياسة الشفافية هي احدى أهم ركائز السياسة النقدية في رأيها. يقول «مرفين كينغ» حاكم المصرف البريطاني السابق ان هدف السياسة النقدية هو استقرار الأسعار على المدى الطويل. الفشل في مكافحة التضخم مكلف جدا ليس فقط للمصارف وانما للجميع مستهلكين ومنتجين وقطاع عام. للمصارف، في رأي كينغ، أهمية كبيرة وبالتالي وجب تقوية رأسمالها كي تستطيع الاقراض ومواجهة مخاطر الأسواق.
من الضروري الاستمرار في محاربة التضخم عبر السلطة النقدية وترك مهمة تحقيق النمو للسلطة المالية. اثبتت التجارب في دول عدة أن استعمال السياسة النقدية لتحقيق النمو كان فاشلا. لذا من الأفضل التركيز على التضخم بحيث تؤثر السلطة النقدية على النمو بطريقة غير مباشرة أي عبر استقرار الأسعار. كم هو مفرح أن نرى حاكم المصرف المركزي الأميركي يخضع لأسئلة أعضاء مجلس الشيوخ في كل شيء عبر وسائل الاعلام. هذا يقوي ثقة المواطنين بالمؤسسات والمسؤولين ويساهم في محاربة الفساد ومن يفكر فيه. كم نحن بحاجة الى هذه الشفافية وهذا التواضع في هذه الظروف.