دولة مفلسة تبحث عن إيرادات في جيوب المفلسين!
في لبنان، يبدو أنّ الدولة وجدت الحلّ السحري لأزماتها المالية: كلّما احتاجت إلى المال، مدّت يدها مجدّداً إلى جيوب المواطنين والمؤسسات. وكلّما عجزت عن إصلاح إداراتها، ضبط نفقاتها، أو تحفيز اقتصادها، لجأت إلى الوصفة الأسهل والأسرع: المزيد من الضرائب والرسوم والجباية. لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: كيف يمكن لدولة شبه مفلسة أن تبحث عن خلاصها المالي في جيوب مواطنين خسروا مدّخراتهم، ومؤسسات تستنزف رأسمالها، واقتصاد يكافح من أجل البقاء؟ إنّ المفارقة الكبرى أنّ الدولة تحاول زيادة إيراداتها من اقتصاد يحتاج هو نفسه إلى الإنقاذ، وكأنّ المطلوب من المريض أن يتبرّع بالدم لإنقاذ المستشفى الذي يعجز عن معالجته! أخبارلبنان المحلية
لسنا ضدّ الضرائب، ولا ضدّ انتظام المالية العامة، ولا ضدّ قيام دولة قادرة على تمويل مؤسساتها وخدماتها، فالضرائب ضرورة في أي اقتصاد منظّم، والتهرُّب الضريبي آفة يجب محاربتها. لكنّ المشكلة ليست في مبدأ الضريبة، بل في فلسفتها، وتوقيتها، وعدالتها، والغاية منها. فهل الهدف هو إعادة بناء اقتصاد منتج يخلق الثروة وفرص العمل، أم مجرّد تأمين إيرادات إضافية لتمويل نفقات الدولة القائمة؟
ماذا في الموازنة؟
في الصيغة الأولية لمشروع موازنة العام 2027، تتجاوز الإيرادات الضريبية المتوقّعة 528 تريليون ليرة، أي نحو 86% من إجمالي الإيرادات المقدّرة. وهذه الأرقام تعكس اعتماداً كبيراً على الجباية لتمويل الخزينة، فيما لا يزال الاقتصاد يواجه إنكماشاً وضغوطاً تضخّمية وتراجعاً في القدرة الشرائية.
والأخطر أنّ جزءاً أساسياً من هذه الإيرادات يرتبط بالضرائب غير المباشرة على الإستهلاك والسلع والخدمات، وهي ضرائب يتحمّلها المواطن عند الشراء، بغضّ النظر عن مستوى دخله.
لقد خسر اللبنانيون جزءاً كبيراً من مدّخراتهم، وتراجعت القيمة الحقيقية لأجورهم، وارتفعت أكلاف الاستشفاء والتعليم والطاقة والنقل، فيما اضطرّت مؤسسات كثيرة إلى تقليص استثماراتها أو الاعتماد على مواردها الذاتية للاستمرار.
وفي المقابل، لا يزال المواطن يدفع مرّتَين وثلاثاً مقابل الخدمات نفسها: يدفع الضرائب للدولة، ثم يدفع ثمن الكهرباء الخاصة، والمياه، والإستشفاء، والتعليم، والخدمات التي يفترض أن تساهم الدولة في تأمينها. وهكذا، لم تعُد الضريبة وحدها هي العبء، بل أصبحت كلفة غياب الخدمات العامة ضريبة إضافية غير معلنة.
أين القطاع الخاص؟
أمّا القطاع الخاص، الذي يُفترض أن يشكّل المحرّك الأساسي للنمو والتوظيف، فيجد نفسه محاصراً بين ارتفاع الأكلاف التشغيلية، وتراجع الاستهلاك، وغياب التمويل المصرفي الفعّال، والمخاطر الأمنية والسياسية.
فكيف يُمكن مطالبة المؤسسات بمزيد من الضرائب قبل توفير الظروف التي تسمح لها بالنمو وتحقيق الأرباح؟ وكيف يُمكن توسيع الإيرادات الضريبية إذا كانت القاعدة الانتاجية نفسها تتقلّص؟
إنّ هذه المقاربة قد تؤدّي إلى حلقة اقتصادية مفرغة: ارتفاع الأعباء يضغط على الاستهلاك والاستثمار، وتراجع النشاط الاقتصادي يضعف قدرة المؤسسات على التوظيف والتوسّع، ما يحدّ من نمو الإيرادات مستقبلاً، ويدفع الدولة إلى البحث مجدّداً عن مصادر إضافية للجباية. وهكذا ننتقل من اقتصاد ينتج الثروة لتمويل الدولة، إلى اقتصاد يُستنزَف تدريجياً لتمويل نفقاتها.
توازن مفقود
ولا بدّ من التمييز بين التوازن المحاسبي والتوازن الاقتصادي. فمن الممكن إعداد موازنة تتساوى فيها الإيرادات والنفقات على الورق، لكنّ ذلك لا يعني أنّ الإقتصاد يتعافى، أو أنّ المواطنين أصبحوا أكثر قدرة على العيش.
فالإنصاف يقتضي الاعتراف بأنّ الدولة تحتاج إلى موارد لتمويل رواتب القطاع العام والخدمات الأساسية وإعادة الإعمار والحماية الاجتماعية. كما أنّ تحسين التحصيل الضريبي ومكافحة التهرُّب ضروريان. لكنّ زيادة الإيرادات لا يجوز أن تكون بديلاً من إصلاح الإنفاق وإعادة تحريك الدورة الاقتصادية. لذا إنّ المطلوب اليوم هو قلب المعادلة رأساً على عقب. فبدلاً من السؤال الدائم: كيف نأخذ المزيد من الاقتصاد؟ يجب أن نسأل: كيف نجعل الإقتصاد ينتج المزيد؟
وبدلاً من التركيز حصراً على رفع الضرائب والرسوم، يجب إعطاء الأولوية لتحفيز النمو والإستثمارات، وتوسيع القاعدة الضريبية، ومحاربة التهرُّب والهدر، ورقمنة الإدارة، وتحسين إدارة أصول الدولة، ودعم المؤسسات المنتجة، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة منها.
كما ينبغي الانتقال نحو نظام ضريبي أكثر عدالة، يراعي القدرة الفعلية على الدفع، ويحمي الفئات الأكثر هشاشة، ولا يعاقب المؤسسات الملتزمة لمجرّد أنّها الأسهل وصولاً بالنسبة إلى الإدارة الضريبية. والأهم أن يشعر المواطن والمؤسسة بأنّ الضرائب التي يدفعانها تتحوَّل إلى خدمات وبنية تحتية وفرص اقتصادية، لا إلى مجرّد أرقام إضافية في خزينة تعاني اختلالات مزمنة.
جباية بلا خطة؟
إنّ لبنان لا يستطيع الاستمرار في إدارة أزمته الاقتصادية بمنطق الجباية وحده، ولا يُمكن لأي خطة إنقاذ أن تنجح من دون إعادة هيكلة القطاع المصرفي، ومعالجة عادلة لأزمة الودائع، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتحفيز الاستثمار والانتاج، واستعادة الثقة. فلا دولة قوية من دون اقتصاد قوي، ولا خزينة مستدامة من دون مؤسسات منتجة، ولا عدالة ضريبية من دون عدالة اقتصادية واجتماعية. أخبارلبنان المحلية
لقد دفع اللبنانيون أثمان الإنهيار من ودائعهم ومدّخراتهم وأجورهم ومستقبل أبنائهم، ودفع القطاع الخاص أثماناً باهظة للمحافظة على استمراريته وموظفيه. لذلك، فإنّ التحدّي الحقيقي ليس في قدرة الدولة على تحصيل المزيد من الأموال، بل في قدرتها على إعادة خلق الثروة التي تسمح للمواطنين والمؤسسات بالدفع والاستثمار والعيش بكرامة.
فالدولة لا تستطيع أن تصبح غنيّة بإفقار شعبها، ولا أن تنقذ ماليتها العامة بإفلاس مؤسساتها، ولا أن تبني اقتصاداً سليماً على أنقاض الطبقة الوسطى.
في المحصّلة، إذا استمرّت الدولة في البحث عن إيراداتها داخل جيوب تزداد فراغاً، فقد يأتي يوم تكتشف فيه أنّها نجحت في زيادة الضرائب والرسوم… لكنها خسرت المكلّفين القادرين على دفعها، فمَن سيُموّل الدولة عندما يُفلس المواطن، وتُقفل المؤسسة، ويُهاجر المستثمر، ويغادر الشباب؟ والسؤال الأخير: هل نريد دولة تعيش على حساب اقتصادها، أم تريد اقتصاداً ينمو ويُعيد بناء دولته؟