بدل النقل في خدمة أصحاب العمل والسلطة

إذا كانت خمسة ليترات من البنزين تمثّل فعلاً كلفة وصول العامل إلى مكان عمله، فيُفترض أن يكون ممكناً ربطها بمسافته ووسيلة انتقاله والكلفة التي يتحمّلها فعلياً. أمّا إذا كانت الليترات الخمسة مجرد طريقة للقول إن دخل العامل لم يعد كافياً وإنه يحتاج إلى مبلغ إضافي كل شهر، فعندها لن نكون فعلياً أمام بدل نقل، إنما هو جزء من الأجر وغلاء المعيشة. وهذه هي إشكالية بدل النقل في لبنان. فالمبلغ الذي يُفترض أن يعوّض العامل عن كلفة محدّدة مرتبطة بالانتقال إلى العمل، تحوّل مع الوقت إلى جزء أساسي من دخله الشهري، وإلى واحدة من الأدوات المُستخدمة كلما تآكلت قيمة الأجر.

ومع ذلك، بقي هذا الجزء منفصلاً عن الأجر قانونياً، فلا يُعامل بالطريقة نفسها ولا تترتّب عليه كل الحقوق نفسها. ربّما قد يكون بدل النقل موجوداً بشكل مستقلّ في اقتصادات أخرى ربطاً بكلفة الانتقال الفعلية التي يمكن تحديدها واحتسابها، بينما صارت وظيفة بدل النقل في لبنان تقديم تعويض عن ضعف الأجر.

«مؤقّت» منذ ثلاثة عقود
بدأ بدل النقل في القطاع الخاص بصيغته المعروفة في منتصف التسعينيات. ففي الأسباب الموجبة لأحد الاقتراحات النيابية المُقدّمة عام 2012، يشير مجلس النواب إلى أن المرسوم الرقم 6263 الصادر في كانون الثاني 1995 أعطى العاملين في القطاع الخاص «بدل نقل يومياً مؤقتاً»، لمواجهة ارتفاع كلفة الانتقال إلى العمل. أي إن الفكرة، منذ بدايتها، لم تكن إنشاء جزء جديد من الأجر، بل تعويض العامل عن نفقة محدّدة يتحمّلها بسبب ذهابه إلى مكان العمل.

وبعد 17 سنة، تكررت الصيغة نفسها تقريباً. فالمرسوم الرقم 7573 الصادر في شباط 2012 أعطى الأجير ثمانية آلاف ليرة عن كل يوم حضور فعلي، لكنه شدّد على أن هذا الإجراء يحصل «بصورة مؤقّتة» ولمدّة سنة واحدة، والأهم أنه حدّد الغاية من هذا الوقت، «ريثما يتم تفعيل وسائل النقل العام». ثم مرّت 14 سنة إضافية، ولم يتحوّل النقل العام إلى البديل الذي يلغي الحاجة إلى البدل، فيما تحوّل الإجراء المؤقّت نفسه إلى مؤسّسة دائمة في نظام الأجور.
صحيح أن العامل يتحمّل بالفعل كلفة الوصول إلى مقرّ عمله، لكن لماذا استمرت السلطة في لبنان لأكثر من ثلاثة عقود، بتعويض هذه الكلفة بالطريقة نفسها، رغم أن الطريقة نفسها صُمّمت كحلّ مؤقّت إلى حين معالجة أصل المشكلة؟

أصل بدل النقل
الأجر هو المقابل الذي يحصل عليه العامل لقاء عمله، ومنه تُشتق مجموعة من الحقوق والاشتراكات والالتزامات. أمّا بدل النقل، بمنطقه الأصلي، فهو استرداد لكلفة تكبّدها العامل لكي يستطيع الوصول إلى العمل، أي إنه يشبه أكثر النفقات المهنية منه إلى الراتب. لذا، يمكن من حيث المبدأ، أن يبقى بدل النقل خارج الأجر. إذا كان العامل يدفع 100 دولار مثلاً لقاء اشتراك في شبكة قطارات أو حافلات حتى يصل إلى عمله، ثم يعوّضه صاحب العمل عن جزء من هذه الكلفة، لا يصبح التعويض بالضرورة أجراً. صاحب العمل لا يدفع للعامل لقاء عمل إضافي، بل يتحمل جزءاً من نفقة محدّدة مرتبطة بالوصول إلى العمل.

لكن لكي يبقى هذا الفصل منطقياً، يجب أن يبقى البدل مرتبطاً بالنفقة نفسها. وهنا تبدأ المشكلة في لبنان، فالبدل لا يُحتسب وفق المسافة التي يقطعها العامل، ولا وفق وسيلة النقل التي يستخدمها، ولا وفق الكلفة التي دفعها فعلياً. العامل الذي يسكن قرب مكان عمله، يحصل مبدئياً، على القيمة اليومية نفسها التي يحصل عليها عامل يقطع عشرات الكيلومترات. ومن يذهب بسيارته الخاصة يدخل في المعادلة نفسها التي يدخل فيها من يستخدم «فاناً» أو حافلة أو يشارك سيارة مع شخص آخر.

حتى التشريع اللبناني يعترف ضمناً بأن الغاية الأصلية مختلفة. فالاقتراح النيابي الذي نوقش عام 2012 كان يجيز إعفاء صاحب العمل من دفع البدل عندما يؤمّن بنفسه وسيلة نقل للأجراء أو مكاناً للمبيت، بما أن النفقة التي يُفترض أن يعوّضها تكون قد اختفت أصلاً. المنطق واضح هنا، بدل النقل مرتبط بكلفة الانتقال، لكن هذا الرابط يضعف عندما يصبح البدل مبلغاً عاماً موحداً، وخصوصاً عندما يُستخدم لرفع دخل العمال من دون رفع أجرهم.

بدل أم حقّ؟
إذاً، المسألة تتعلق بوظيفة المبلغ المدفوع تحت مُسمّى بدل النقل. لذا، عندما تجتمع لجنة المؤشر ويصبح النقاش فيها بين زيادة الحد الأدنى وزيادة بدل النقل، لا يعود البدل مجرد تعويض عن نفقة، بل يصبح إحدى أدوات «تصحيح الأجور»، أي وسيلة لزيادة المبلغ الذي يصل إلى العامل في نهاية الشهر. وهنا تظهر المفارقة، فعند البحث في قدرة العامل على العيش، يُجمع الأجر مع بدل النقل، لكي يقال إن دخله ارتفع. أمّا عندما يُعرّف الأجر قانونياً وتُحتسب عليه الاشتراكات والحقوق، فيعود البدل إلى كونه خارج الأجر.

العامل يتحمّل فعلاً كلفة لكي يصل إلى مكان عمله، ومن المنطقي أن تكون هناك آلية لتغطيتها

دليل منظمة العمل الدولية حول قانون العمل اللبناني يذكر صراحة أن بدل النقل لا يُعدّ عنصراً من عناصر الأجر. وهذا الفصل لم يكن بلا أثر على النقاش حول كلفة العمل أيضاً. ففي النص النيابي المطروح عام 2012، استُبعد بدل النقل من قاعدة اشتراكات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي باستثناء الاشتراك المتعلق بنهاية الخدمة. وبالتالي، كلما استُخدم بدل مستقلّ في مصاف زيادة الأجر، تختلف الكلفة التي يتحملها صاحب العمل والقاعدة التي تدخل في بعض الحقوق الاجتماعية.
هكذا يصبح مفهوماً لماذا يكون رفع بدل النقل، أسهل في المفاوضات، من رفع الأجر نفسه. بالنسبة إلى العامل، الاثنان يزيدان ما يحمله في جيبه، لكنهما ليسا متساويين بالضرورة على المدى الطويل، ولا يتركان الأثر نفسه في بنية الأجر وفي الاشتراكات المرتبطة به.

فرنسا: ادفع نصف ما دفعه العامل
وجود بدل مستقل عن الأجر ليس، بحدّ ذاته، المشكلة. ففي فرنسا مثلاً، لا تُدمج كلفة الانتقال إلى العمل تلقائياً في الراتب. لكنّ النظام يربط مساهمة صاحب العمل بكلفة فعلية يمكن تحديدها، إذ يتوجب عليه تغطية 50% من قيمة اشتراك العامل في النقل العام بين مكان السكن والعمل. ويُحتسب ذلك على أساس المسار الأقصر، ولا يشمل شراء تذاكر منفردة، بل الاشتراكات الأسبوعية أو الشهرية أو السنوية التي يستطيع العامل إثباتها. أي إن العامل الذي لا يدفع هذه الكلفة، لا يحصل ببساطة على مبلغ مقطوع تحت اسم النقل. والعامل الذي يدفع أكثر بسبب حاجته إلى أكثر من اشتراك، تُغطّى نصف كلفتها الإجمالية. أي إن التمييز واضح بين الأجر وبدل النقل لأن هذا الأخير مرتبط بمستند يحدّد كلفة فعلية للانتقال، وليس برقم تستخدمه الحكومة لزيادة دخل العمال.

البرازيل: بدل مربوط بالرحلة
في البرازيل أيضاً، يوجد نظام منفصل هو الـVale-Transporte، ويُعطى للعامل لاستخدامه فعلياً في النقل الجماعي بين المنزل والعمل. القانون يفرض على صاحب العمل تأمين البطاقات أو الاعتمادات اللازمة لهذه الرحلة، ويتحمّل العامل كلفة تصل إلى 6% من أجره الأساسي، فيما يتحمل صاحب العمل ما يزيد على ذلك. وفي الوقت نفسه، ينص القانون صراحة على أن هذه التقدمة ليست ذات طبيعة أجرية ولا تدخل في الراتب أو في قاعدة بعض الاشتراكات الاجتماعية.

مرة أخرى، الفصل بين الأجر وبدل النقل موجود من خلال تعريف واضح للمبلغ الذي يُدفع مقابل الانتقال بواسطة نقل عام، من المنزل إلى العمل والعودة. وإذا تغيّرت كلفة الرحلة يتغير ما يحتاج إليه العامل، لا لأن اللجنة قرّرت أن خمسة ليترات رقم مناسب لكل العاملين. وهذا تحديداً هو الفرق الذي يضيع في النقاش اللبناني. ليس مطلوباً بالضرورة أن يتحوّل كل قرش يدفع بوصفه بدل نقل، إلى أجر، بل المطلوب أولاً أن نعرف إن كان ما ندفعه هو بدل نقل فعلاً.

لماذا خمسة ليترات؟
المعادلة الأخيرة توضح المشكلة أكثر. خمسة ليترات من البنزين يومياً لا تخبرنا شيئاً عن كلفة انتقال العامل الفعلية. لا نعرف كم كيلومتراً يقطع، وما إذا كان يملك سيارة أصلاً، أو كم شخصاً يشارك المركبة، أو ما إذا كان يعتمد النقل المشترك. ومع ذلك يحصل الجميع على معيار واحد لأن المطلوب عملياً ليس تعويض فاتورة، بل التوصل إلى رقم يمكن إضافته إلى الدخل بالكلفة الدنيا الممكنة على صاحب العمل.
لو كان الهدف احتساب كلفة النقل، يمكن بناء النظام بطريقة مختلفة تماماً: مناطق أو مسافات، كلفة فعلية للنقل المشترك، اشتراكات شهرية، أو نقل يؤمّنه صاحب العمل. ويمكن عندها أن يكون البدل خارج الأجر فعلاً لأن له كلفة مقابلة واضحة. أمّا إعطاء كل عامل القيمة نفسها، ثم تعديلها كلّما ارتفع سعر البنزين، فيحوّلها إلى علاوة دخل مرتبطة بالطاقة أكثر مما يحوّلها إلى تعويض عن الانتقال.

والأهم أن هذه الطريقة تُعفي الدولة من السؤال الذي طرحه المرسوم نفسه عام 2012. يومها كان بدل النقل مطلوباً لمدة سنة «ريثما يتم تفعيل وسائل النقل العام»، لكن بدلاً من أن يكون ارتفاع قيمة البدل مؤشراً إلى حجم الفشل في توفير النقل، أصبح البدل نفسه هو السياسة. لذلك، بعد ثلاثة عقود، لم يعد «المؤقّت» مؤقّتاً. وصار العامل يحتاج إلى بدل النقل لكي يتكوّن دخله الشهري، وصار صاحب العمل يحتاج إلى بدل النقل كأداة منفصلة عن الأجر، وصارت الحكومة تحتاج إليه في كل جولة تفاوض على المعيشة. النتيجة هي نظام لا يعوّض كلفة النقل بدقّة، ولا يدخل كامل المبلغ الذي يحتاج إليه العامل في صلب الأجر.

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.