برد بعلبك يفاقم معاناة 230 عائلة جنوبية نازحة
مع اقتراب فصل الشتاء، تتّسع دائرة المواجهة مع البرد القارس في بعلبك، لتشمل، إلى جانب أبناء المنطقة الفقيرة والمحرومة، 230 عائلة نازحة من الجنوب لجأت إلى المدينة هرباً من العدوان الإسرائيلي، بعدما اضطرت إلى ترك قراها وخسرت منازلها. وبينما تحاول هذه العائلات التكيّف مع واقع النزوح، تبرز أمامها معضلة جديدة تتمثّل في تأمين التدفئة خلال الأشهر الباردة، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات، ووصول سعر برميل المازوت إلى نحو 315 دولاراً.
وكانت بعلبك استقبلت، مع اندلاع حرب الإسناد، نحو 1800 عائلة نازحة من الجنوب، قبل أن يتراجع العدد إلى 230 عائلة اليوم، مع انتقال 1570 عائلة إلى مناطق أخرى، وفق ما أفاد «أبو عباس»، مسؤول ملف النزوح في بعلبك. ومن بين العائلات المتبقية، حصلت 50 عائلة على مساكن مجانية قدّمها أبناء المنطقة، فيما استأجرت 35 عائلة منازل على نفقتها الخاصة، ولجأت العائلات الأخرى إلى منازل ذويها وأقاربها. ورغم أن هذه العائلات قدمت من مناطق جبلية معروفة ببرودتها وتساقط الثلوج فيها، فإنها كانت تمتلك منازل مجهّزة بمدافئ، وتستطيع تأمين الوقود اللازم بفضل مصادر رزقها. أما اليوم، فقد خسرت منازلها ومدافئها ومصادر دخلها، لتجد نفسها أمام شتاء جديد في ظل النزوح، يصبح فيه تأمين الوقود عبئاً إضافياً يثقل كاهلها.
وتحتاج العائلة الواحدة، في المتوسط، إلى نحو خمسة براميل من المازوت سنوياً، مع تفاوت الكمية تبعاً لعدد أفراد الأسرة ومدة بقائهم في المنزل. فالعائلات التي تضم أطفالاً أو مسنّين لا تستطيع الاستغناء عن المدفأة، ولو لبضع ساعات يومياً. في المقابل، تحاول بعض ربات المنازل التكيّف مع غياب التدفئة، مستغلّاتٍ ساعات وجود أطفالهن في المدرسة لتوفير الوقود. وتقول غدير: «ألهي حالي بتدبير أمور المنزل، وبتدفّى من دفى الغاز أنا وعم بطبخ».
لكن التدفئة، حتى لساعات قليلة يومياً، تبقى «ترفاً» بالنسبة إلى شريحة واسعة من النازحين، العالقين بين البطالة والعمل لقاء بدلات زهيدة لا تكاد تكفي لتغطية إيجار المنازل وتأمين القوت اليومي. «بدنا نلف حالنا بالحرامات»، يقول قاسم، النازح من كفرمان برفقة زوجته وطفلتيه، بعدما تعرّض منزله للقصف. وبالنسبة إليه، بات المازوت أشبه بـ«الذهب»، في ظل صعوبة تأمينه وارتفاع كلفته.
ومنذ وصولها إلى بعلبك، تسمع سهام من جيرانها عن قسوة البرد في المدينة. «هذه أول شتوة إلي هون، كيف بيكون الشتاء ببعلبك؟»، سألت جارتها زينب، التي حدّثتها عن موجات البرد القارس، ما زاد قلقها. وتقول سهام إنها سكنت، عند وصولها، في منزل أُتيح لها مجاناً لمدة أربعة أشهر، قبل أن يطلب منها صاحبه دفع الإيجار. واليوم، تنتظر أن يؤمّن لها الجيران وسائل التدفئة، كما وعدوها، وسط مخاوف من شتاء لا تعرف كيف ستواجهه.
تحتاج العائلة الواحدة في المتوسط إلى نحو خمسة براميل من المازوت سنوياً
ولا يبدو الحطب أو الغاز بديلاً يسيراً من المازوت. فمع ارتفاع أسعار المحروقات، تجاوز سعر طن الحطب الـ300 دولار، تبعاً لنوعيته، بالتزامن مع زيادة الطلب عليه بديلاً من المازوت. أما استخدام الغاز أو الفحم للتدفئة اليومية، فينطوي على مخاطر تتعلق بالسلامة.
في المقابل، تغيب عن بعلبك أي مبادرة من الدولة أو المنظمات الدولية لتأمين المدافئ والمازوت، فيما تقتصر المساعدات المقدّمة للنازحين على مبادرات فردية متفرقة تفتقر إلى الاستمرارية. وفي هذا السياق، أكد أبو عباس أن «الفاعليات السياسية تسعى إلى تأمين المدافئ والسجاد والثياب الشتوية بالإمكانات المتاحة، رغم الحصار والضغوطات التي نتعرض إليها»، محمّلاً الدولة مسؤولية التقصير في تأمين الاحتياجات الأساسية للنازحين.
ويعيد هذا الواقع طرح سؤال عن أسباب غياب مراكز إيواء جماعية في بعلبك، على غرار مناطق أخرى استقبلت نازحين، وما كان يمكن أن توفّره من تخفيف للأعباء عن العائلات، سواء بإعفائها من كلفة استئجار المنازل أو بخفض كلفة التدفئة عبر تأمينها بصورة جماعية، بدلاً من ترك كل عائلة تواجه هذه الكلفة بمفردها.
ويربط أبو عباس غياب مراكز الإيواء بعدم تصنيف بعلبك منطقة آمنة لتجميع النازحين في أماكن عامة، كالحسينيات والمدارس والمضافات، ولا سيما أن موجة النزوح إليها تزامنت مع الحرب. ويقول إن «الدولة لم تُعيّن أي مؤسسة رسمية في بعلبك مركزاً للإيواء، خلافاً لما حصل في شليفا ودير الأحمر». أما الجهات السياسية في المدينة، «فلا تستطيع تحمّل هذه المسؤولية من تلقاء نفسها»، لما قد ينطوي عليه ذلك من مخاطر على سلامة النازحين.