وجهة نظر: الاقتصاد الخليجي والمعضلات الراهنة

تواجه دول الخليج معاناة هامة اقتصادياً، في ظل الأوضاع الأمنية غير المستقرة في هذه المنطقة من العالم. منذ بداية الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، والتي نتجت عنها اعتداءات إيرانية آثمة على دول الخليج، وتعطل الملاحة في مضيق هرمز نتيجة للابتزاز الإيراني، فإن صادرات النفط والغاز تعطلت أو في أحسن الأحوال تراجعت كمياتها بالرغم من ارتفاع أسعار النفط الخام والغاز.  بلدان الخليج، التي اعتمدت منذ ما يزيد على سبعة عقود على إيرادات النفط لمواجهة استحقاقات الإنفاق العام، الجاري والرأسمالي، اضطرت، خصوصاً هذا العام، إلى إصدار سندات وأذونات الدين العام، ورفعت من قيمة المديونية السيادية. كذلك اضطرت بعض هذه الدول، مثل الكويت، إلى الاعتماد على آليات الاستدانة من الصناديق السيادية.  لا شك في أن هذه الأوضاع أدت إلى تخصيص المزيد من الأموال لمواجهة متطلبات الدفاع وتحسين القدرات لمواجهة الصواريخ البالستية والمسيرات القادمة من إيران أو من الحوثيين في اليمن، وهذه المتطلبات تعني تكاليف باهظة لابد أن تحظى بالأولوية في مثل هذه الظروف الأمنية الصعبة، لكن دول الخليج ظلت بالرغم من هذه الأحوال الأمنية ملتزمة بالإنفاق على المشاريع الكبرى، وقد زاد عليها تطوير شبكة أنابيب لنقل النفط عبر الأراضي السعودية والإماراتية لتفادي الابتزاز الإيراني. توقع صندوق النقد الدولي، في تقرير صدر في أكتوبر، تشرين الأول، 2026، انكماش اقتصاديات معظم دول الخليج خلال هذا العام. كانت التقديرات كالآتي: الكويت بنسبة -16.7 في المئة، الإمارات -3.9 في المئة، السعودية -3.3 في المئة، أما عمان فإن التقدير بأنها ستحقق معدل نمو إيجابياً بنسبة 2.4 في المئة. الصندوق يتوقع أن تتحسن معدلات النمو في عام 2027 لتصل إلى 22 في المئة بالكويت، و7.9 في المئة بالسعودية، و9.5 في المئة بالإمارات، و26.7 في المئة بقطر، و4.2 في المئة بالبحرين، و3.4 في المئة بعمان.  تؤكد بيانات صندوق النقد الدولي أن اقتصاديات دول الخليج مازالت مرهونة، بالرغم من محاولات التنويع الاقتصادي، باقتصاديات النفط والغاز، حيث إن التحول من الانكماش السلبي إلى النمو الإيجابي خلال فترة زمنية قصيرة ناتج عن التحولات أو المتغيرات في اقتصاديات النفط والقدرة على التصدير وتجاوز المعوقات الأمنية. نأمل أن تتحقق هذه التوقعات في العام القادم، ونرجو أن تتوقف الأعمال العدائية وينتهي الصراع في هذه المنطقة، لكن لابد من التأكيد على أهمية إنجاز إصلاحات اقتصادية نوعية تؤدي إلى تفعيل إمكانيات تطوير اقتصاديات بلدان المنطقة وتعزيز قدراتها على تحقيق إيرادات سيادية من أنشطة غير نفطية. الإصلاح الاقتصادي لابد أن يؤسس على تنمية بشرية تؤدي إلى خلق عمالة وطنية مؤهلة ومبدعة. هل يمكن أن يتحقق ذلك في ظل المنظومة التعليمية الراهنة؟ ربما تمكنت دول خليجية من تطوير أنظمتها التعليمية بما يواكب المتغيرات في سوق العمل، لكن بلداً مثل الكويت مازال يفتقر إلى نظام تعليمي عصري يساهم في إنجاز إصلاح اقتصادي حقيقي، ولذلك بات على الإدارة السياسية صياغة استراتيجية للتنمية البشرية تتجاوز الشكليات المعمول بها، بما يؤدي إلى نظام تعليمي مناسب وقادر على إنتاج عمالة وطنية ملائمة ومتمكنة من مواجهة الأزمات.  دول الخليج أمامها تحديات غير مسبوقة حتى بعد نهاية الحرب واستتباب الأمن، بإذن الله، حيث إن ما كان صالحاً قبل 28 فبراير 2026 لم يعد كذلك الآن، وهناك أهمية لصناعة القرارات التي تعزز النمو والارتقاء بالأداء الاقتصادي. هذه البلدان تواجه النمو السكاني المتسارع وارتفاع أعداد الشباب وصغار السن في المجتمع، بما يعني ذلك من التزامات في التعليم والرعاية الصحية وخلق فرص العمل. السؤال المهم هل الإدارات السياسية بذلت الجهود اللازمة لإقناع المجتمعات الخليجية بأهمية الوعي بالمتغيرات المستحقة؟  * مستشار وباحث اقتصادي

جريدة الجريدة :الكويت

Leave A Reply

Your email address will not be published.