حجّة متأخرات الإدارات والمؤسسات العامة لا تغطّي الفشل: لماذا يعتكف وزير الطاقة؟ حجّة متأخرات الإدارات والمؤسسات العامة لا تغطّي الفشل: لماذا يعتكف وزير الطاقة؟ 

تُطرح اليوم مسألة مستحقات مؤسسة كهرباء لبنان على الإدارات والمؤسسات العامة وكأنها أزمة مستجدّة، أو كأن وزير الطاقة جو الصدّي اكتشف فجأة أن مؤسّسات الدولة لا تسدّد فواتيرها، فقرّر الاعتكاف عن حضور جلسات مجلس الوزراء لحين معالجة المشكلة. لكن الواقع، أن متأخرات الإدارات والمؤسسات العامة كانت في صلب نقاشات في السنوات الماضية، أفضت إلى إصدار قرار في مجلس الوزراء في آب 2024 بدفعها من خلال سلفة خزينة بقيمة 6850 مليار ليرة، لتسديد مستحقات استيراد الفيول من العراق. وللمفارقة أن الصدّي أوقف العمل بالعقد العراقي فور وصوله إلى الوزارة، وتوقف عن التعامل مع المتأخرات، ثم ها هو اليوم يعتكف من أجلها. فلو كان استمرّ العمل بالعقد، وتسديد المستحقات للعراق، لكان لبنان حصل كل الصيف على ساعات تغذية إضافية بالكهرباء من دون أن تتراكم الديون على لبنان للعراق. فما مبرّر اعتكاف كهذا اليوم؟

سلفة لتسديد المتأخرات
أقرب تحديث لمسألة المتأخرات المترتبة على الإدارات والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة يعود إلى آب 2024، حين رفع وزير الطاقة وليد فياض اقتراحاً إلى مجلس الوزراء يتعلق بتسديد هذه المستحقات من سلفة خزينة بقيمة 6850 مليار ليرة منحت بقرار في مجلس الوزراء لهذه الإدارات والمؤسسات والمصالح بمرسوم صدر في 21/12/2023 ورقمه 12816، ثم جرى تعديله لاحقاً بالمرسوم 13390 في 29/5/2024. يومها، كانت الشحنات بموجب العقد العراقي تتأخر لأن لبنان لا يدفع فواتيره للعراق، فاقترح فياض تمكين مؤسسة كهرباء لبنان من شراء المحروقات اللازمة لإنتاج الكهرباء من خلال تسديد المتأخرات المذكورة التي خصصت لها سلفة خزينة.

وبالفعل، صدر القرار الرقم 49 في 14/8/2024، الذي يطلب من وزارة المال وسائر الإدارات والمؤسسات المعنية، الإسراع بالاستفادة من هذه السلفة، لتسديد المستحقات المترتبة للعراق. ولم يبقَ القرار حبراً على ورق، إذ تُظهر مراسلات رسمية أن وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان باشرتا الإجراءات اللازمة لتحصيل الأموال وتحويلها.
لكن، اللافت أنه بعد كل هذا الوقت، تعود الحكومة إلى البحث عن المستحقات نفسها، بعدما توقّف شراء الفيول العراقي، وانتقلت مؤسّسة كهرباء إلى شراء المحروقات من مداخيل جبايتها. وبين المقاربتين، بقيت الديون العراقية قائمة، واستمرت مؤسسات الدولة في مراكمة فواتير الكهرباء، فيما تتكرّر أزمة تمويل الإنتاج. والسؤال لم يعد فقط لماذا لا تسدّد الإدارات العامة مستحقاتها، بل أيضاً ماذا حلّ بالآلية التي أُقرت سابقاً، ولماذا لم يستكمل تنفيذها قبل الانتقال إلى سياسة تمويلية مختلفة؟

أساس اقتصادي ضمن خطّة الطوارئ
لم تكن فكرة فياض قائمة على تسديد كامل المستحقات العراقية دفعة واحدة، بل على الدفع التدريجي بحسب الأموال المتوافرة، بما يُظهر جدية لبنان في الوفاء بالتزاماته ويساعد على المحافظة على إمكانية استمرار التوريد بالدفع المؤجّل. ولم تكن ميزة الاتفاق العراقي تقتصر على تأجيل الدفع. فقد كان الاتفاق يتيح تسديد كامل قيمة المحروقات بالليرة اللبنانية عبر حساب مخصّص للبنك المركزي العراقي لدى مصرف لبنان، على أن يتمكّن الجانب العراقي من استخدام رصيد الحساب، كلياً أو جزئياً، لشراء سلع وخدمات لبنانية من بينها الخدمات الطبية والاستشفائية، بدلاً من تسديد كامل قيمة المحروقات فوراً بالدولار النقدي.

وبذلك، كان الاتفاق يخفّف الضغط الفوري على السيولة بالدولار، ويتيح توجيه جزء من الإنفاق العراقي نحو الاقتصاد اللبناني. وهي ميزة يعتبرها فياض أساسية في تقييم الكلفة الاقتصادية للاتفاق، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن السعر النهائي للفيول، بعد احتساب كلفة المبادلة، أقل من سعر الشراء المباشر.
والمطلوب من ذلك كان إنشاء حلقة تمويلية، حيث تدفع المؤسسات العامة فواتيرها، فتحصل كهرباء لبنان على أموالها، وتُستخدم المبالغ لتسديد جزء من الدين العراقي، بما يدعم إمكانية استمرار التوريد.

التخلّي عن العقد العراقي
حين تولى الصدّي وزارة الطاقة، قرر اعتماد مسار مختلف في تمويل المحروقات. ففي 12 تموز 2025، أعلن أنه نسّق مع وزير المالية ياسين جابر للحدّ من الاستدانة وتكبيد الدولة التزامات إضافية، وطلب من مؤسّسة كهرباء لبنان شراء الفيول من مداخيل جبايتها. وكان قد أعلن في 6 حزيران أن الالتزامات المتراكمة بموجب العقود العراقية بلغت نحو 1.28 مليار دولار، منها حوالى 753 مليون دولار مستحقة حينها. ورغم أن الصدّي استكمل في بداية ولايته إجراءات تلزيم مرتبطة بالعقد العراقي الرابع، تعثّر مسار التوريد لاحقاً، قبل أن يعلن في 23 تشرين الثاني 2025 توقف لبنان عن شراء الفيول العراقي بسبب تراكم الديون، والتوجّه إلى اتفاق لتوريد المحروقات من الكويت.

في آب 2024 وافق مجلس الوزراء على آلية لتحصيل الفواتير واستخدام أموالها لتسديد جزء من الديون العراقية

التخلّي عن هذا العقد بتسهيلاته، جعل المؤسّسة تستهلك مداخيل جبايتها على شراء المحروقات مباشرة وسط ارتفاع في الأسعار العالمية، ما أدّى إلى تراجع ساعات التغذية مقارنة بما كان يمكن تأمينه لو استمر الخيار العراقي.

خيار الصدّي ربط شراء المحروقات بتوافر السيولة لدى مؤسّسة كهرباء لبنان. وهنا ظهرت المشكلة: كيف يمكن الاعتماد على الجباية لتمويل الإنتاج، فيما قسم كبير من فواتير الإدارات والمؤسسات العامة لا يُسدّد؟ وماذا عن المستحقات العراقية السابقة التي لم تختفِ بمجرد تغيير طريقة التمويل؟ وماذا عن ارتفاع الأسعار العالمية؟

المفارقة أن الحكومة لم تتوقف عن إصدار قرارات لتحصيل الفواتير. ففي 4 كانون الأول 2025، أقرّ مجلس الوزراء، بموجب القرار الرقم 9، آلية تقوم على تحويل 80% من قيمة فواتير الجهات العامة إلى حساب كهرباء لبنان، وحسم 20% من رصيد سلف الخزينة السابقة. ثم عاد في 23 نيسان 2026، بموجب القرار الرقم 1، إلى تأكيد تنفيذ هذه الآلية وتسديد الفواتير من الاعتمادات المرصودة في موازنات الإدارات والمؤسسات. وفي أيار 2026، عُرض أمام مجلس الوزراء ملف مفصّل عن أزمة المحروقات والتحصيل والحاجات المالية للمؤسسة، فاكتفى المجلس بأخذ العلم.
وبعد شهر، أصدر رئيس الحكومة التعميم الرقم 16، مطالباً الإدارات والمؤسسات العامة مجدداً بتسديد فواتيرها، استناداً إلى القرارين السابقين. أي إن الحكومة اتخذت قرارات بالدفع، ثم احتاجت إلى تعميم جديد للمطالبة بتنفيذها.

وبحسب الصدّي، بلغت مستحقات كهرباء لبنان على القطاع العام نحو 250 مليون دولار حتى نهاية عام 2025، وكانت تتزايد بمعدل يقارب 12 مليون دولار شهرياً. وفي تموز 2026، طلب من الحكومة تسديد 50 مليون دولار شهرياً للمؤسسة على مدى أربعة أو خمسة أشهر، مؤكداً أن الأموال المطلوبة ليست سلفة جديدة، بل فواتير مستحقة أصلاً.
وفي أيلول، أعلن حصول المؤسسة على 50 مليون دولار، لكن ذلك لم ينهِ الأزمة. فعاد مجلس الوزراء في 8 تشرين الأول إلى الموافقة على مشروع قانون معجّل لفتح اعتماد إضافي بالقيمة نفسها، وأحاله إلى مجلس النواب، ما يعني أن المبلغ الثاني لم يصبح مصروفاً بمجرد الموافقة الحكومية.

حجّة الاعتكاف
إزاء هذا الواقع، اختار الصدّي الاعتكاف. لكن المستغرب أن هذه المتأخرات والمطالبة بتسديدها كانت ذريعة الاعتكاف. فالواقع أن هذه الأزمة لم تكن مفاجَأة، وفيها ما يكفي من القرارات المؤرشفة في وزارة الطاقة على الأقل منذ 2022. لذا، لا تكفي هذه الذريعة لتبرير انقطاع التغذية بالكهرباء وبلوغها مستويات متدنية جداً تصل إلى ساعتين كل يومين. فهو من قاد المؤسسة بخياراته، نحو هذه النتيجة. المشكلة، إذاً، تتجاوز أزمة مستحقات مالية، بل تكمن في طريقة إدارة القطاع بلا خطة واضحة تضمن استمرارية العمل. أما الاعتكاف، فلا يعوّض غياب خطّة للتحصيل والتسديد. هل علينا أن ننتظر وقوع الأزمة حتى نكتشف عجزنا عن معالجتها، فتتحوّل لحظة الانهيار إلى مناسبة للاعتكاف، وكأن إعلان العجز يُعفي من مسؤولية تفاديه؟
في المحصّلة، تبقى النتيجة أوضح ما في القصة: لا تغذية كهربائية كافية، ولا سيولة تضمن استمرارية الإنتاج، ولا تسديد للديون المتراكمة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.