معضلة فاتورة الكهرباء : حماية المواطن بإجباره على دفع المزيد
قبل أيام، اتصل بي طارق مستاءً، ليخبرني بأن صاحب المولّد الكهربائي في حيّه أبلغه بزيادة اشتراكه الشهري بقوة خمسة أمبيرات من 225 دولاراً إلى 300 دولار، أي بارتفاع يقارب 33% خلال شهر واحد، بحجّة ارتفاع أسعار المحروقات.
اقترحت عليه التواصل مع صاحب مولّد آخر في المنطقة للاستفسار عن الأسعار. وهذا ما فعله، ليتلقّى عرضاً بالاشتراك نفسه مقابل 225 دولاراً، أي أقل بنسبة 25% من السعر الجديد الذي طلبه المورّد الحالي.
هذه الحادثة البسيطة تعكس مشكلة أوسع يعاني منها المواطن اللبناني، الذي بات رهينة سوق كهرباء خاصة مجزّأة، تفتقر في كثير من الأحيان إلى التنظيم والرقابة والمنافسة الفعلية.
فلبنان يعيش اليوم في ظل نظامين متوازيين لتوفير الكهرباء: مؤسسة كهرباء لبنان من جهة، وآلاف المولّدات الخاصة من جهة أخرى. والمواطن مضطر إلى الاعتماد على الاثنين، ودفع فاتورتين منفصلتين كل شهر.
ومع ذلك، لا يزال النقاش حول أسعار الكهرباء يتركّز بصورة أساسية على تعرفة مؤسسة كهرباء لبنان، بدلاً من التركيز على الكلفة الإجمالية للكهرباء التي يتحمّلها المواطن والمؤسسات الاقتصادية.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية.
المعضلة الاقتصادية
وفقاً للتقديرات الأخيرة، تتراوح كلفة الكيلوواط ساعة من المولّدات الخاصة بين 60 و80 سنتاً أميركياً، بحسب المنطقة والاستهلاك ونظام الاشتراك.
في المقابل، تستطيع مؤسسة كهرباء لبنان، من حيث المبدأ، توفير ساعات إضافية من التغذية بسعر أقل بكثير، حتى بعد تعديل تعرفتها بما يعكس ارتفاع أسعار الوقود وكلفة التشغيل.
فعلى سبيل المثال، إذا بلغ سعر الكيلوواط ساعة من المولّدات الخاصة 70 سنتاً، مقابل سعر تقديري يبلغ 47 سنتاً من مؤسسة كهرباء لبنان، فإن الفارق يصل إلى نحو 33%.
والخلاصة الاقتصادية واضحة: إن رفع تعرفة كهرباء لبنان لا يعني بالضرورة ارتفاع فاتورة الكهرباء الإجمالية على المواطن، بل قد يؤدي إلى العكس تماماً.
فإذا أتاحت مرونة التسعير للمؤسسة زيادة ساعات التغذية، والاستعاضة عن كهرباء المولّدات الأعلى كلفة بكهرباء الدولة الأقل كلفة، فإن الأسر والمؤسسات الاقتصادية قد تدفع في النهاية مبالغ أقل.
وبالتالي، يجب أن يكون المعيار الأساسي هو مجموع ما يدفعه المواطن لكهرباء لبنان والمولّدات الخاصة، وليس تعرفة كهرباء لبنان بمعزل عن الفاتورة الإجمالية.
معضلة الحكومة
طرح وزير الطاقة، وفقاً لما تم تداوله، اعتماد مرونة أكبر في تسعير كهرباء لبنان، بما يسمح بتعديل التعرفة وفقاً لتغيّر أسعار الوقود، ويساعد المؤسسة على تمويل زيادة ساعات التغذية.
إلّا أن هذا الطرح واجه تحفّظات داخل الحكومة.
ويمكن تفهّم هذه التحفّظات، إذ إن أي زيادة في تعرفة الكهرباء تبقى مسألة حسّاسة اجتماعياً وسياسياً، خصوصاً بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
لكن هناك فرقاً جوهرياً بين حماية المواطن من ارتفاع تعرفة كهرباء لبنان، وحمايته من ارتفاع الكلفة الإجمالية للكهرباء.
فإذا أدّى الإبقاء على تعرفة منخفضة بصورة غير مستدامة إلى الحدّ من قدرة المؤسسة على زيادة الإنتاج والتغذية، فقد تكون النتيجة غير المقصودة استمرار اعتماد المواطنين على مولّدات خاصة أعلى كلفة بكثير.
إن هدف الحكومة يجب ألّا يقتصر على إبقاء تعرفة كهرباء لبنان منخفضة، بل أن يكون توفير أكبر عدد ممكن من ساعات التغذية المنتظمة، بأقل كلفة إجمالية مستدامة على المواطن.
ومن هنا، يمكن أن تشكّل مرونة التسعير، إذا صُمّمت ونُفّذت بشفافية، أداة أساسية للإصلاح.
ثلاث فوائد أساسية لزيادة تغذية كهرباء لبنان
أولاً: تخفيض كلفة الكهرباء على المواطن
تشكّل فاتورة المولّدات الخاصة عبئاً مالياً كبيراً على العديد من الأسر اللبنانية.
وزيادة ساعات التغذية من كهرباء لبنان يمكن أن تقلّص عدد الساعات التي يحتاج فيها المواطن إلى المولّدات، ما قد يؤدي إلى خفض فاتورته الإجمالية، حتى في حال ارتفاع تعرفة كهرباء لبنان.
والهدف واضح: ساعات تغذية أكثر من كهرباء الدولة، واعتماد أقل على المولّدات المرتفعة الكلفة، وفاتورة شهرية إجمالية أقل.
ومن الضروري أن تترافق مرونة التسعير مع آليات حماية اجتماعية تضمن عدم تحميل الأسر المحدودة الدخل أعباء غير متناسبة مع قدراتها.
ثانياً: بيئة أنظف وصحة أفضل
لقد فرض الانتشار الواسع للمولّدات الخاصة التي تعمل على المازوت كلفة بيئية وصحية كبيرة على لبنان.
فآلاف المولّدات تعمل وسط الأحياء السكنية المكتظّة، مسبّبة تلوّث الهواء والضجيج وانبعاثات مضرّة بالصحة العامة.
ومن شأن تقليص ساعات تشغيلها أن يساهم في تحسين نوعية الهواء، ولا سيما في بيروت وسائر المدن والمناطق المكتظّة بالسكان.
وتزداد الفوائد البيئية إذا جرى إنتاج الكهرباء الإضافية من خلال معامل أكثر كفاءة ومصادر طاقة أنظف.
وبالتالي، فإن إصلاح قطاع الكهرباء ليس مجرد مسألة اقتصادية أو مالية، بل هو أيضاً أولوية بيئية وصحية.
ثالثاً: تحرير المواطن من الارتهان لأصحاب المولّدات
تُظهر تجربة طارق بوضوح جانباً آخر من أزمة الكهرباء في لبنان.
فالمواطن يجد نفسه في كثير من الأحيان معتمداً على صاحب مولّد في حيّه، مع خيارات محدودة وقدرة ضعيفة على التفاوض بشأن الأسعار.
وصحيح أن العديد من أصحاب المولّدات يؤدّون خدمة أساسية في ظل غياب الدولة، إلّا أن طبيعة هذا القطاع المجزّأ تفتح المجال أمام تفاوت كبير في الأسعار وممارسات قد تصل إلى الاستغلال.
ولا يجوز أن يبقى المواطن تحت رحمة القرارات الفردية لأصحاب المولّدات في خدمة أساسية كالكهرباء.
إن زيادة ساعات التغذية المنتظمة من كهرباء لبنان تعيد للمواطن هامشاً أكبر من حرية الاختيار، وتخفّف اعتماده على المورّدين الخاصين.
نحو حلّ عملي
إن اعتماد مرونة في تسعير الكهرباء لا يعني إطلاقاً السماح بزيادات عشوائية أو غير محدودة في التعرفة.
بل يعني تمكين مؤسسة كهرباء لبنان من تعديل أسعارها بصورة شفافة، وفقاً للكلفة الفعلية للوقود والتشغيل، مع حماية الاستهلاك الأساسي للأسر الأكثر حاجة.
أما تحديد التعرفة المناسبة، وشرائح الاستهلاك، وآليات تعديل الأسعار، فيجب أن يُترك لوزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان، استناداً إلى دراسات مالية وتقنية دقيقة.
ومن الضروري أيضاً أن تترافق مرونة التسعير مع تحسين ساعات التغذية والجباية والحوكمة والكفاءة التشغيلية، والحدّ من الهدر الفني وغير الفني.
فالمواطن يجب أن يلمس تحسّناً فعلياً في الخدمة مقابل أي تعديل في التعرفة.
ولا ينبغي قياس نجاح الإصلاح بالنتائج المالية لمؤسسة كهرباء لبنان وحدها، بل أيضاً بمدى انخفاض فاتورة الكهرباء الإجمالية على المواطنين، وتحسّن ساعات التغذية.
الخلاصة
إن تجربة طارق ليست مجرد قصة عن فاتورة مولّد مرتفعة، بل تعكس خللاً أعمق في قطاع الكهرباء، جعل المواطن اللبناني معتمداً على بدائل خاصة مرتفعة الكلفة بسبب عجز الدولة عن تأمين خدمة منتظمة.
وأمام الحكومة اليوم فرصة لمعالجة هذه المعضلة، من خلال دعم آلية شفافة وعادلة ومرنة لتسعير الكهرباء، تتيح لمؤسسة كهرباء لبنان زيادة ساعات التغذية.
وقد تكون فوائد هذا الإصلاح كبيرة: تخفيض كلفة الكهرباء على المواطن، وتحسين البيئة والصحة العامة، وتقليص الاعتماد على المولّدات الخاصة.
إن نجاح إصلاح قطاع الكهرباء يجب أن يُقاس بالفوائد التي يحقّقها للمواطن، لا بالحساسية السياسية المرتبطة بتعديل تعرفة كهرباء لبنان.
وعلينا أن نتوقّف عن قياس إصلاح الكهرباء بمقدار ما تتقاضاه مؤسسة كهرباء لبنان، وأن نبدأ بقياسه بمقدار ما يوفّره المواطن من أموال، وعدد ساعات التغذية الإضافية التي يحصل عليها، ومدى تراجع اعتماده على المولّدات الخاصة.