المنطقة المركزية بحائل.. رؤيةٌ استراتيجية لازدهار محلي وطموح عالمي

للمدن الحديثة قلوبٌ لا يحدد مواضعها المساحون، ولا ترسم نبضها الخرائط؛ بل تُشيد على كم حياةً جديدةً ستنشأ في المكان؟، وكم أسرةً ستجد فضاءها الرحب؟، وكم تاجراً ومستثمراً سيجد فرصة واعدة؟، وكم زائراً سيغادر وفي ذاكرته صورةٌ لا تُنسى عن مدينةٍ تعرف جذورها وتكتب مستقبلها بثقة؟؛ فهي تنمو حيث يأنس الإنسان بالمكان، وتأتلف الخطوة مع الطريق، حيث تتشكل جودة الحياة.

وهكذا في حائل، المدينة التي صاغ الجبل في ملامحها معنى الثبات، وعلّمتها الصحراء سعة الأفق، وجعل الكرم من اسمها وعداً ومن أهلها عنواناً، تنهض المنطقة المركزية كقلب حائلي نابض بالازدهار؛ فعلى أكثر من 700,000 متر مربع تتسع الأرض ومعها الأحلام والفرص، ويتصافح التاريخ مع التطوير، ويجاور قصر القشلة وقلعة أعيرف لغة الضوء والماء، وتتحول «ليالي حائل» إلى مهرجان مستدام وتجربة تُعاش بوصفها وعداً حضرياً كبيراً يواكب برامج ومستهدفات رؤية السعودية 2030، في أن تصبح المدينة مسرحاً للحياة وأقرب إلى أهلها، وأكثر إنصاتاً لاحتياجات الأسرة والشباب، وأوسع أملاً أمام التاجر والمستثمر؛ لتتحول فيها الثقافة والترفيه والسياحة والتجارة إلى تجربة حضرية واعدة وموعد مع التطور والأنسنة؛ يجعل حائل أكثر قدرة على أن تقدم نفسها للعالم والمستقبل كما هي؛ أصيلةً وحديثةً.

ازدهار محلي برؤية عالمية

مع اكتمال الملامح الأخيرة لمشروع تطوير المنطقة المركزية في حائل، بكلفة تقارب 268 مليون ريال، تتبلور هوية عمرانية وتطويرية تُسهم في تعظيم شخصيتها المعمارية وإبراز هويتها التراثية وتحسين صورتها البصرية فضلاً عن الارتقاء بالخدمات البلدية وتقديم مرافق جمالية متطورة وزيادة المسطحات الخضراء التي تجمع بين البنية التحتية والفضاء العام والحركة الآمنة والترفيه والأنشطة التجارية.

وتكشف أرقام المشروع عن فلسفة المكان أكثر مما تصف حجمه؛ إذ تضم المنطقة المركزية 1500 موقف للسيارات، ويحيط بها تطوير للطرق بطول 9 كيلومترات، غير أن قلب التحول الحقيقي يظهر في 14 كيلومتراً خُصصت للمشاة و8 كيلومترات لمسارات الدراجات فضلاً عن مسرح مكشوف مساحته 13 ألف متر مربع، ونوافير تفاعلية على 12 ألف متر مربع ومكوّنات «منظومة تشغيل حضرية»؛ لتصبح الأرقام لغة تعكس كيف سيسهم هذا التحول في تغير إيقاع وسط المدينة ووجهته الاقتصادية والاجتماعية وخلق فرص عمل ومناطق استثمارية.

كما يقوم الرهان على المنطقة المركزية عبر ثلاث تحولات مترابطة، تتمثل في نقل وسط حائل من ممرٍّ للعبور إلى مقصدٍ للإقامة والتجربة، وربطها بشبكة مسارات المشاة والدراجات؛ وربط التاريخ الحائلي من معالم القشلة وبرزان وقلعة أعيرف إلى إرث جُبّة والشويمس العالمي باقتصاد حديث تقوده الفعالية، والمطعم، والتجزئة، والحرف، والمحتوى الرقمي، وريادة الأعمال، ويحفه توحيد لافتات المباني لتحسين المشهد البصري للواجهات التجارية والسكنية، بجانب دعم الحرف اليدوية والتراثية.

قيادة تحقق الطموحات

ويأتي المشروع ثمرة قيادةٍ إقليمية ومؤسسية واضحة تُترجم غايةً وطنية أوسع في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، والأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حيث تتجسد في متابعة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعد بن عبدالعزيز أمير منطقة حائل، منذ التصاميم الأولية ووضع حجر الأساس إلى الجولات الميدانية وقياس نسب الإنجاز؛ وتنفيذ أمانة منطقة حائل بشراكة مع برنامج جودة الحياة، تحت إشراف أمين المنطقة المهندس سلطان بن حامد الزايدي وفرق الأمانة الهندسية، فبهذا المعنى تنمو وتتطور مدينة أكثر قابلية للعيش، واقتصاد أكثر تنوعاً، وهويةٌ لا تنكمش أمام الحداثة، بل تجعلها امتداداً لها.

وكان سمو أمير منطقة حائل، قد وضع حجر الأساس، وتفقد باستمرار سير الأعمال ميدانياً في المنطقة المركزية، حيث وقف على عناصر الإنارة والكهرباء والمباني والنوافير وتصريف الأمطار والصرف الصحي والخزان الأرضي والمسرح والتشجير.

أما أمانة منطقة حائل، بقيادة أمينها المهندس سلطان بن حامد الزايدي، فقد حملت المسؤولية التنفيذية والهندسية للمشروع: من إعداد التصور المتكامل للوسط إلى الإشراف على شبكات البنية التحتية والطرق والأرصفة والإنارة والري والخزانات والمساحات الخضراء والعناصر الترفيهية.

تحفة معمارية في قلب حائل

في أدبيات التخطيط الحضري، يتقاطع في المنطقة المركزية بحائل الأنشطة اليومية والاحتفالية، والتاريخية والمعاصرة، ويتعزّز ذلك بالموقع الاستراتيجي للمشروع وسط المدينة في شمال مبنى إمارة المنطقة، بين شارع غطاط من الشمال وشارع الرياض من الجنوب وشارع الأمير فهد بن سعد من الشرق وطريق الملك عبدالعزيز من الغرب، فيما يشق طريق الملك فيصل قلب منطقة التطوير؛ لتصبح نقطة قادرة على وصل المركز الإداري بالوسط التاريخي، والحركة اليومية بالمشهد الثقافي، والطرق الرئيسية بالأحياء والأسواق المحيطة.

وتتضمن الرؤية التخطيطية التي أعلنت عنها أمانة حائل للمنطقة المركزية، تنظيم حركة التجارة والأسواق وربط المناطق الخضراء والحدائق بالوسط التاريخي ومشروعات تطوير قصر القشلة وقلعة أعيرف، وإعادة تنظيم الأرصفة واتجاهات بعض الشوارع، وتخصيص شوارع للمشاة كلياً أو في فترات المساء، ودعم الحرف التراثية، وما يلزم لذلك من تهيئة الموقع والأسفلت والأرصفة والإنارة وشبكات الكهرباء وتصريف مياه الأمطار والصرف الصحي والخزان الأرضي والري الذكي والتشجير، إلى جانب المباني والخدمات والعناصر الترفيهية.

أنسنة المكان وتطور العمران

مع مناخ حائل المعتدل طوال العام، تسهم المنطقة المركزية في “أنسنة المدينة” من خلال تغيير ميزات الأولويات، وذلك مع تراجع السيارة خطوة كي يتقدم الإنسان بالتجربة التي يعيشها الزوار؛ والمكان الذي يسمح باللقاء والجلوس واللعب والتأمل، وذلك عبر مسارات المشاة والدراجات البالغة نحو 32 كيلومتراً، مع المسطحات الخضراء والجلسات ومناطق لعب الأطفال، داخل قلب المدينة.

وتُعزّز المنطقة المركزية جودة الحياة من خلال ربط جودة الفضاءات العامة المصممة بعصرية وجمالية بتشجيع النشاط البدني، ودعم الصحة النفسية، وتعزيز الجوانب الاجتماعية والترفيهية والرياضية والسياحية أمام الأُسر والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة، فضلاً عن الإسهام في الاقتصاد المحلي.

ومن هنا، تتجاوز القيمة الاجتماعية للمشروع حد الترفيه؛ حيث تتوفر للأُسر مساحة آمنة لا تشترط إنفاقاً مرتفعاً؛ وكذلك مساحات للشباب للحركة والرياض وصناعة المحتوى كأنها غرفة معيشة كبرى يهنأ فيها الجميع، بما يحقق مفهوم «رأس المال الاجتماعي للمكان».

من ذاكرة الأسواق إلى اقتصاد المستقبل

على الرغم من أن للمدن اقتصاداً ظاهراً في السجلات والميزانيات، إلا أن هناك أيضا اقتصاد آخر تصنعه جودة شوارعها وساحاتها؛ ولذلك فكل دقيقة إضافية يمضيها الزائر في المنطقة المركزية بحائل تتحول إلى مشتريات، فيما تتحول المشاهدة إلى تجربة، والتجربة إلى توصية وعودة؛ لذلك تأتي هذه المنطقة كمنصة طلب حضري تتصل بها المطاعم والمقاهي والتجزئة والحرف والنقل والإيواء وتنظيم الفعاليات والإنتاج الإعلامي والخدمات التقنية.

ويأتي ذلك في الوقت الذي يمتلك خلاله السوق الحائلي قاعدةً يمكن البناء عليها مع بلوغ عدد السجلات والاشتراكات النشطة في غرفة حائل نحو 32,155 بنهاية عام 2024م، بنمو قدره 28.08% عن العام السابق، مقارنةً بـ17,445 سجلاً في عام 2019م، وهذه القاعدة الواسعة من الأعمال تمنح المنطقة المركزية شبكة جاهزة من المطاعم والمقاهي والمتاجر والخدمات والموردين بجانب منح المنشآت الصغيرة والأسر المُنتجة والحرفيين نصيباً حقيقياً من الفرص.

ويعمل اقتصاد الفعاليات، على وجه الخصوص عبر سلسلة مترابطة تتضمن برنامجاً جذاباً يولّد زيارة؛ والزيارة ترفع الإقامة والإنفاق؛ والإنفاق يشجع الاستثمار؛ والاستثمار يحسن العرض ويخلق عملاً؛ ثم يعيد العرض المحسن إنتاج زيارة جديدة؛ وهذا ما تستطيع فعاليات المنطقة المركزية تحقيقه من خلال فعاليات «ليالي حائل» التي ستتحول إلى روزنامة سنوية ذات مواسم وهوية ومحتوى متجدد.

«ليالي حائل»… أربع نوافذ على العالم

أعلنت أمانة منطقة حائل قرب انطلاق تجارب «ليالي حائل» في المنطقة المركزية، والتي تضم «مهرجان الصوت والضوء» و«ليالي الخليج» و«ليالي العرب» و«ليالي القارات الخمس» والتي ستشكل قيمة استراتيجية كبرى للمنطقة.

يأتي مهرجان الصوت والضوء: ليحوّل العمارة والماء والفضاء إلى وسيطٍ سردي يجعل الزائر يفهم قصة المكان عبر إيقاعٍ بصري وسمعي مع وجود النوافير التفاعلية والمسرح المكشوف، حيث تتوافر بنيةٌ تسمح ببناء عروض ذات طابع حائلي، تربط الماضي بالحاضر، ومن خلال موسيقى تستلهم المكان وصورة بصرية تحفظ للتراث جلاله، بالإضافة إلى كونه أيضاً محتوى عالي القابلية للتصوير والمشاركة، أي أن أثره يتجاوز عدد الموجودين في الساحة إلى جمهور رقمي أوسع.

وتخاطب فعاليات «ليالي الخليج» دائرةً ثقافية قريبة من حائل في الذائقة والعادات والمسافة، وتمنح المدينة فرصة لبناء جسورٍ بين الفنون والمأكولات والحرف والتجارب الإبداعية الخليجية؛ حيث يمكن لهذا المسار أن يدعم سياحة العطلات القصيرة والتعاون بين منظمي الفعاليات والمنشآت الإبداعية في دول مجلس التعاون الخليجي.

فيما توسّع فعاليات «ليالي العرب» المجال من الجوار الخليجي إلى الفضاء العربي الرحب كـ لغةٌ واحدة وذاكرات متعددة، وفنونٌ تمتد من الموسيقى والمسرح إلى الأدب والمأكولات والحرف؛ بما يمنح حائل حضوراً في الحوار الثقافي العربي، ويخلق مادةً إعلامية قادرة على عبور الحدود.

بينما تفتح «ليالي القارات الخمس» أبواب حائل للعالم، وتمنح المشروع بُعده الدولي، وتخاطب الزائر والمقيم معاً؛ لتقدم ثقافات العالم من خلال تجارب إنسانية راقية، وفي الوقت نفسه إعادة تقديم حائل للعالم من قلب حائل؛ بما يحول المكان إلى جسر ثقافي بطابع عالمي.

بوابة السياحة الحائلية

لحائل رصيد سياحي واسع من طبيعة النفود والجبال، وذاكرة الكرم وأرض القوافل، وقصور المدينة وقلاعها، وفنونها ومطبخها، ومواقع الفن الصخري في جُبّة والشويمس المدرجة على قائمة التراث العالمي منذ 2015؛ وهي مواقع توثق، بحسب اليونسكو، تعبيرات بشرية تمتد قرابة عشرة آلاف عام.

وهنا تستطيع المنطقة المركزية أن تعمل بوصفها «بوابة الوجهة»؛ ليلتقي فيها الزائر مساءً بالهوية الحائلية، ويحصل على معلومات ومسارات وحجوزات تقوده نهاراً إلى المواقع التراثية والطبيعية؛ ثم يعود إلى مطعم أو عرض أو سوق حرفي؛ فبهذا التكامل ترتفع مدة الإقامة، ويتوزع الإنفاق على قطاعات أوسع. ويمكن قياس أثر المنطقة المركزية لاحقاً بمقارنة معدلات الإشغال والإنفاق ومدة الإقامة في أسابيع الفعاليات مع الأسابيع المماثلة خارجها.

عائد مستدام للدولة والمنطقة والمواطن والمقيم

يقدم مشروع المنطقة المركزية بحائل إلى المملكة، ترجمة محلية لثلاث مستهدفات كبرى، وهي رفع جودة الحياة، وزيادة جاذبية السياحة الداخلية، وتوسيع مساهمة الأنشطة غير النفطية؛ إذ يقدم أنموذجاً ناجحاً وخبرة قابلة للتعلم في تجديد مراكز المدن المتوسطة من دون نقل الحياة كلها إلى أطرافها.

أما بالنسبة إلى منطقة حائل؛ فيمنحها المشروع علامة حضرية جديدة تساعدها على استقطاب الفعاليات والاستثمارات ورفع مدة إقامة الزائر؛ حيث تزداد أهمية ذلك في منطقة يسكنها نحو 746,406 نسمة وفق تعداد 2022، وتمتد على نحو 120 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل 6.1 في المئة من مساحة المملكة؛ ففي هذا الامتداد الواسع، يمكن لقلب حضري قوي أن يعمل كمقصد جامع للخدمات والثقافة والأعمال والضيافة.

بينما تتجسد أهمية المشروع بالنسبة للمواطن والأسرة، في العائد من مساحة آمنة للحركة والترفيه واللقاء، وصحة أفضل، وخيارات أكثر تنوعاً،. كما تقدم للمقيم فرصة للاندماج في الحياة العامة ورؤية ثقافته ضمن ليالي القارات الخمس؛ بينما تفتح للشباب أبواباً للعمل والريادة من خلال الفعاليات والمحتوى الرقمي والخدمات التقنية؛ فيما تعني للتاجر الحركة التجارية وزبائن أكثر وساعات نشاط أطول، أما المستثمر، فتعني له البنية المكتملة والهوية الواضحة وكثافة الزوار، بالإضافة إلى إتاحة الفرصة للحرفي والأسرة المنتجة في قصة حائلية تشكل منفذاً يحول المعرفة المحلية إلى دخل مستدام.

مع افتتاح المنطقة المركزية بحائل بعناية إمارة المنطقة، وجهود أمانتها؛ فإنها توقظ قلباً حضرياً نابضاً بالحياة، وتشيّد جسراً من الحداثة يصل عراقة الأمس بطموح الغد، وتكتب في وسط المدينة قصيدةً عمرانية قافيتها الإنسان وعنوانها جودة الحياة؛ لتمضي كمنارةٍ للجمال، ومنصةٍ للاستثمار، ووجهةٍ مثالية للعائلة والشباب تتأنق للمستقبل، وتفتح أبوابها للعالم؛ قائلة بثقة: “هنا ينبض العمران، ويكبر الإمكان، وتصبح الرؤية واقعاً يراه الإنسان.

*مدير مركز الرياض للدراسات السياسية والاستراتيجية

1

جريدة الرياض: السعودية 

Leave A Reply

Your email address will not be published.