تعديلات القانون 44 تسدّ الثغرات وتصعّب التبييض على الحزب وسواه

دخل تعديل قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب الرقم 44 مرحلة جديدة مع مناقشته في لجنة المال والموازنة، في خطوة تتجاوز، في أهميتها، مجرد الاستجابة لمطالب مجموعة العمل المالي FATF. فالمطلوب اليوم ليس فقط تحسين النص القانوني لإخراج لبنان من اللائحة الرمادية، بل سد ثغرات سمحت طوال سنوات باستخدام الشركات والقطاع التجاري والعقاري كقنوات محتملة لإخفاء مصادر الأموال وتحريكها وإعادة إدخالها في الاقتصاد بصورة تبدو مشروعة.

بحسب ما أعلنه رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، ان جلسة امس الاول، أقرّت توسيع المفاهيم المتعلقة بالأموال غير المشروعة، وتشديد العقوبات، وإدخال مفهوم الاستفادة المباشرة وغير المباشرة من عمليات تبييض الأموال، بما يشمل شراء العقارات والأسهم والمساهمة في الأعمال التجارية.

هذه النقطة الأخيرة بالذات تكتسب أهمية استثنائية في الحالة اللبنانية. فقانون 44 الموجود حالياً ينص أصلاً على أن تبييض الأموال يشمل تحويل الأموال أو نقلها أو استبدالها أو استثمارها في شراء أموال منقولة أو غير منقولة أو في عمليات مالية بهدف إخفاء مصدرها غير المشروع. كما أن القانون يعتبر تبييض الأموال جريمة مستقلة لا تتطلب صدور إدانة بالجريمة الأصلية. لكن تقييم FATF/MENAFATF للبنان سجّل ثغرات في الصياغة، أبرزها بالنسبة الى العائدات غير المشروعة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وعدم تغطية بعض أشكال التبييض، ومنها بعض صور إخفاء الملكية أو السيطرة على الأموال، إضافة إلى عدم إدراج التآمر أو الارتباط لارتكاب الجريمة ضمن الأفعال المساعدة عليها.

الأخطر أن التقييم الدولي لم يتوقف عند النصوص، بل أشار إلى فجوة بين القانون والتطبيق. فقد خلص إلى أن التحقيقات اللبنانية تركز بدرجة أكبر على الجرائم الأصلية، بدلاً من تتبع مسار الأموال وتحديد عمليات تبييضها، كما أشار إلى محدودية عدد الإدانات بالتبييض وعدم كون العقوبات القائمة رادعة بما يكفي. وهذه ثغرة جوهرية عندما تكون الجريمة الأصلية قد ارتكبت في مكان آخر، أو عندما تمر الأموال عبر شبكة من الشركات والأشخاص قبل أن تصل إلى المستفيد الحقيقي.

وهنا تبرز أهمية مفهوم المستفيد الحقيقي. فالمشكلة في الشركات التي تستخدم كواجهة لا تكمن بالضرورة في اسم الشركة أو نشاطها الظاهر، بل في معرفة من يسيطر عليها فعلياً، ومن يستفيد من أرباحها، ومن يملك القرار فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وقد سجل تقييم FATF أن لبنان يملك آليات لتحديد المستفيد الحقيقي، لكنه لاحظ ثغرات في تحديد السيطرة غير المباشرة، كما أشار إلى إمكان إنشاء شركات بواسطة أشخاص يحملون وكالات عن المؤسسين من دون إخضاعهم بصورة كافية لالتزامات مكافحة تبييض الأموال.

هذا النوع من الثغرات يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بشبكات تمويل حزب الله. فوزارة الخزانة الأميركية وثقت في السنوات الأخيرة حالات قالت فيها إن شبكات مالية مرتبطة بالحزب استخدمت شركات تبدو تجارية وعادية لتوليد الإيرادات وتحويلها، كما تحدثت عن نقل ملكية شركات إلى أفراد من العائلة أو مقربين بهدف إخفاء الصلة بالحزب. وفي آذار 2026، تحدثت الخزانة الأميركية عن شبكة شركات مرتبطة بتمويل الحزب قالت إنها جمعت أو حولت أكثر من 100 مليون دولار منذ 2020.

ولا يعني ذلك أن كل شركة أو مشروع تجاري مرتبط بأشخاص أو بيئة سياسية معينة يمثل عملية تبييض أموال. لكن التحدي أمام القانون هو أن يكون قادراً على اختراق الغطاء القانوني للشركة عندما تظهر مؤشرات جدية على أن الملكية الظاهرة لا تعكس المستفيد الحقيقي، أو أن النشاط التجاري يستخدم لإخفاء مصدر الأموال أو وجهتها.

ومن هنا تأتي أهمية التعديل الذي أشار إليه كنعان. فإذا كان النص الجديد سيعتبر الاستفادة غير المباشرة من الأموال غير المشروعة، بما في ذلك عبر العقارات والأسهم والمشاريع التجارية، جزءاً واضحاً من منظومة التجريم، فإنه يسد مساحة كانت تسمح بفصل المال عن صاحبه الحقيقي عبر سلسلة من الشركات والأشخاص.

لكن نجاح التعديل لن يقاس بعدد المواد التي أضيفت إلى القانون، بل بقدرة الدولة على تطبيقها. فلبنان يحتاج إلى ربط السجل التجاري والسجل العقاري والمعلومات الضريبية والبيانات المالية بصورة تسمح بتتبع الملكية والسيطرة الفعلية على الشركات. كما يحتاج إلى تحقيقات مالية موازية للتحقيقات الجزائية، وإلى مصادرة فعالة للعائدات غير المشروعة.

المعركة إذاً ليست فقط مع تبييض الأموال، بل مع الاقتصاد الذي يمكن أن يوفر غطاءً لتبييضها. وإذا نجح لبنان في الانتقال من معرفة اسم الشركة إلى معرفة من يقف خلفها ومن يستفيد منها ومن أين جاءت أموالها وإلى أين تذهب، يكون قد قطع خطوة أساسية، نحو حماية اقتصاده ونظامه المالي من استخدام النشاط التجاري المشروع كواجهة لنشاط مالي غير مشروع.

Leave A Reply

Your email address will not be published.