سوق المناخ: النشوة والشيكات والصمت… ليست الأزمات حكراً على لبنان

كثيراً ما نتحدّث عن الأزمات المالية الكبرى، كما لو أنّها لا يمكن أن تقع إلّا في بلدان أنهكتها الهشاشة. غير أنّ قصة «سوق المناخ» في الكويت، تذكّرنا بأنّ لا دولة ولا سوق بمنأى عن الخطر، حين ينفلت المضاربون من كل قيد، ويخرج الائتمان عن نطاق الرقابة، وتصبح الالتزامات المالية عصيّة على القياس.

في أواخر سبعينات القرن الماضي، تحوَّل سوق المناخ إلى سوق موازية شديدة النشاط، جرى فيها تداول أسهم شركات كويتية وأخرى من دول الخليج، غالباً خارج القواعد الناظمة للبورصة الرسمية. وكانت الأسعار ترتفع بسرعة، فتجتذب مستثمرين جدداً، فيما كانت أسهم الشركات الناشئة تجد مَن يشتريها بسهولة لافتة.

كنت يومها أتردّد باستمرار إلى الكويت بحكم مسؤولياتي المصرفية في باريس. وكان مصرفنا، الذي ضمّت مساهماته رساميل كويتية، يتعامل مع عملاء في المنطقة ويرتبط بشبكة من المصارف المراسلة. وكان بعض هؤلاء العملاء يرغبون في دخول سوق الأسهم. ولأنّ مصرفنا لم يكن يستطيع تمويل شراء تلك الأوراق المالية بصورة مباشرة، كانوا يستخدمون أموالهم الخاصة، ويطلبون كفالات مصرفية تمكّنهم من الحصول على التمويل لدى المصارف الكويتية.

كانت رحلاتي أحياناً قصيرة وشاقة: أغادر باريس مساء الجمعة، وأمرّ بالبحرين يوم السبت أو الأحد، ثم أعود على متن إحدى طائرات شركة UTA عند فجر الاثنين، لأستأنف عملي في باريس في صباح اليوم نفسه.

وخلال إقامتي في الكويت، كنت أُدعى مساءً إلى المجالس، حيث كانت الأحاديث تمتد لساعات في صالونات فخمة، فيما تُنصب في الغرفة المجاورة موائد عامرة بالطعام. غير أنّ السوق لم يكن يتوقف بانتهاء ساعات التداول الرسمية. خبر عن تأسيس شركة جديدة، أو شائعة عن ارتفاع منتظر، أو سهم ينتقل مرّات عدة من يَد إلى أخرى خلال أمسية واحدة؛ كل ذلك كان كفيلاً بتغذية موجة النشوة والمضاربة.

وكانت التسويات تتمّ في أغلب الأحيان بواسطة شيكات مؤجّلة التاريخ. وما دامت الأسعار ترتفع والشيكات تُتداول بين المتعاملين، بدا النظام وكأنّه قادر على الاستمرار. لكنّ كل صفقة جديدة كانت تضيف حلقة أخرى إلى سلسلة مترابطة، لم يكن أحد قادراً على رؤية امتدادها الكامل أو تقدير مخاطرها الحقيقية.

وعندما بدأت الأسعار تتراجع سنة 1982، تعذّر إيفاء عدد من الشيكات. وفي 23 آب من العام نفسه، توقفت التعاملات بعدما أعلنت السلطات أنّها لن تضمن شيكات سوق المناخ. وقد بلغت القيمة الإسمية لعشرات الآلاف من الشيكات المسجّلة نحو 94 مليار دولار. ولم يكن هذا الرقم يمثّل خسائر صافية بقيمة 94 ملياراً، بل شبكة هائلة ومعقّدة من الالتزامات والديون المتداخلة.

ولا تزال عالقة في ذاكرتي واقعة أخرى توقفت خلالها العمليات في السوق، لكن بصورة موقتة هذه المرّة. كان ذلك أثناء نقل مباراة فرنسا والكويت في كأس العالم لكرة القدم سنة 1982.

في 21 حزيران، وبينما كانت فرنسا متقدّمة بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، سجّل اللاعب الفرنسي آلان جيريس هدفاً رابعاً، بعدما كان بعض لاعبي الكويت قد توقفوا عن اللعب إثر سماعهم صفارة صدرت من المدرّجات. فنزل الشيخ فهد الأحمد الجابر الصباح، رئيس الاتحاد الكويتي لكرة القدم ورئيس الوفد، إلى أرض الملعب للاعتراض على قرار الحكم. وأُلغي الهدف في نهاية المطاف، إلّا أنّ فرنسا فازت بالمباراة بأربعة أهداف مقابل هدف واحد. كنت أتابع تلك المشاهد مباشرة عبر شاشة التلفزيون، وسط روّاد سوق المناخ.

وكانت الكويت تعيش آنذاك في ظل الحرب العراقية – الإيرانية، التي اندلعت سنة 1980. وخلال رحلاتي، كان يحدث أحياناً أن أسمع ليلاً، من الفندق، دويّ المدافع في البعيد.

ولا أدّعي أنّ سوق المناخ موَّل تلك الحرب أو تسبَّب فيها؛ فقد كانت أزمة مالية مستقلة وقعت في منطقة مثقلة أصلاً بأعباء الصراع. لكنّ ذلك المشهد لا يزال يختصر في ذاكرتي مفارقة تلك المرحلة: نشوة سوق لا تعرف الحدود، في مقابل قلق حرب كان صداه حاضراً في الحياة اليومية.

إنّ سوق المناخ ليس مجرّد فصل منسيّ من تاريخ الكويت، بل هو تحذير لا يزال راهناً حتى يومنا هذا: فعندما تتراكم وعود الدفع خارج كل رقابة، وتختبئ المخاطر خلف شبكة معقّدة من العلاقات والالتزامات، ويراهن الجميع على استمرار ارتفاع الأسعار أو على تدخّل الدولة لإنقاذهم، قد تنفجر الأزمة، وتتجاوز تداعياتها حدود السوق التي انطلقت منها.

Leave A Reply

Your email address will not be published.