اتفاق على مستوى الموظفين ولقاء بين سلام وغورغاييف: حكومة سلام بيد صندوق النقد

على مدى أربعة أيام، ناقشت بعثة صندوق النقد الدولي مع المسؤولين اللبنانيين ثلاث مسائل أساسية عن قانون الانتظام المالي ومسألة تعيين المدير المؤقت لكل مصرف، والوضع المالي في ظل توقعات الانكماش لعام 2026 وربما في الأشهر الأولى أيضاً من 2026، بالإضافة إلى الديون المتوقعة بسبب الإعمار، وأخيراً مسألة توقيع لبنان اتفاق على مستوى الموظّفين قبل إقرار قانون الانتظام المالي، ولقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع رئيسة الصندوق في الاجتماعات المقبلة للصندوق في أميركا.

خلاصة كل هذه النقاشات مع الصندوق، تفيد بأن إدارة الأزمة خرجت من يد اللبنانيين وصارت بشكل شبه كامل بيد الصندوق. فهذا الأخير هو من فرض تعديلات قانون معالجة أوضاع المصارف لعدد من المرات وبشكل متتالي، وهو اليوم يقرّر السياسة العامة في التعامل مع المصارف بمعزل ما إذا كان مؤهلاً أكثر من قوى السلطة الحاكمة في لبنان، وهو أيضاً يقرّر شكل الاقتصاد المقبل من خلال التوجيه بزيادة هذه الضريبة أو تلك ومن تصيبه ومن تعفيه منها، وهو يقرّر إذا كان يتوجب الآن إعفاء أو التشدد مع الدولة في مسألة تصحيح حساباتها المالية. وكل هذه المسائل واضحة للعيان في بيان صندوق النقد وما رشح عن اللقاءات التي حصلت الأسبوع الماضي.

الصندوق قالها بوضوح؛ السلطة في لبنان «حافظت على قدر من الاستقرار الاقتصادي الكلي رغم الظروف الاستثنائية البالغة الصعوبة والكلفة الباهظة التي فرضها الصراع بين حزب الله وإسرائيل والتطورات الأمنية الإقليمية على الاقتصاد وظروف المعيشة». هذه العبارة يمكن ترجمتها سياسياً على النحو الآتي: «برافو نواف».

«برافو» لأنه يقوم بكل ما هو مطلوب من الصندوق من خيارات. يطلب منا الصندوق أن نتخايل حجم أكلاف هذا «الصراع» منذ ثلاث سنوات مقابل «قدر من الاستقرار». الواقع، أن لا أحد يرى هذا الاستقرار سوى الصندوق وأمثاله من قوى السلطة في لبنان. لكن لماذا اعتمد الصندوق هذا الخطاب العام مقابل كلام عن انكماش في جلساته المغلقة؟

المسألة ذات طابع سياسي بامتياز، لأن هذه العبارات موجّهة إلى كل من تسوّل له نفسه الحديث عن إسقاط الحكومة أو عن إسقاط خياراتها أو حتى عن إبعاد الصندوق وممثّليه عن الحكم في لبنان. حكمهم يأتي من موقعين أساسيين: رئاسة الحكومة ووزارة المال.
لكن لم يكن الثناء سياسياً فحسب، بل كان أيضاً يتضمن شقاً يتعلق بالسياسات. فهذا القدر من الاستقرار أتى بفضل «الحفاظ على سياسات مالية ونقدية متشددة».

والتشدّد بهذا المعنى، هو التقشّف. ممنوع على الحكومة أن تنفق، إلا بما يتوافق مع معايير سبق أن حدّدها صندوق النقد الدولي، ويتوجب عليها أن تحقّق فائضاً أولياً يتماشى مع هذه المعايير. وقياساً على ذلك، يمكن الاستنتاج بأن هذه المعايير فرضت أيضاً حصر دعم النازحين بمبلغ 78 مليون دولار في موازنة 2027. فالاستقرار مهم للحكومة سياسياً، وأهم مصدر فيه هو هذا التقشّف الذي يمارس.

طبعاً بالنسبة إلى الصندوق، إن المعيار الأساسي للتعامل مع المصارف هو تراتبية توزيع الخسائر. لكنه أيضاً بعد التعديلات الأخيرة التي فرضها على مجلس النواب بشأن قانون معالجة أوضاع المصارف، يريد الصندوق التأكّد أن لا أحد سيطعن بها. هذا ما سمعه المسؤولون اللبنانيون في اجتماعاتهم مع الصندوق. يجب ألا تميل أي كتلة نيابية عن هذا المسار وأن تسوّل لها نفسها تقديم طعن. إذاً، من الطبيعي أن يكون قانون توزيع الخسائر ضمن المسار نفسه. النقاش العالق بشأن تعيين مدير مؤقت لكل مصرف حُسم لمصلحة أن تقوم الهيئة المصرفية العليا بتعيين ممثّل لها في كل مصرف يخضع لإعادة الهيكلة للتنسيق والإشراف من دون أي صلاحيات تنفيذية.

ربما لم يفهم الصندوق الأمر جيداً: هذا باب للتنفيعات والسمسرات. لكن من الجيّد أن يتمسّك الصندوق بمسألة تراتبية توزيع الخسائر وشطب الرساميل أولاً ثم الانتقال نحو الأصول غير المنتظمة وصولاً إلى الودائع. وهذه نقطة حسّاسة، لم يطرأ عليها أي حسم بعد؛ ردّ أول 100 ألف دولار لكل مودع.

الحاكم ما زال يصرّ ويطالب بأن تُحتسب الأموال المدفوعة منه بشكل أساسي في التعاميم 158 و166 ضمن الـ 100 ألف دولار التي سيتم ردها للمودع. مجموع ما دفع من خلال هذين التعميمين سيبلغ في نهاية هذه السنة 8 مليارات دولار يجب أن تحتسب ضمن مبلغ الـ18 مليار دولار الذي يمثّل كامل قيمة الـ 100 ألف التي سترد للمودع. وللعلم فقط، فإن ما لا يقل عن 75% من هذا المبلغ المدفوع بواسطة التعاميم مصدره مصرف لبنان لا المصارف.

يقلق الصندوق من أن الانكماش والديون المخفية قد يعرقلان جهود توقيع اتفاق

على أي حال، كان هناك نقاش بأنه يجب أن يقرّ قانون الانتظام المالي (القانون الذي يوزّع الخسائر) قبل اجتماعات الخريف لصندوق النقد والبنك الدوليين. وهذا مطلب تمسّك به رئيس الحكومة نواف سلام لأنه سيلتقي رئيسة الصندوق كريستالينا غورغاييف خلال هذه الاجتماعات، وربما يصدر إعلان توقيع اتفاق على مستوى الموظفين، كالذي توصّلت إليه حكومة نجيب ميقاتي في نيسان 2022، في نهاية هذا اللقاء. لكن الحاكم كريم سعيد، المعروف بأنه لا يريد حلاً على طريقة الصندوق، بل حلّاً على طريقته وحدها التي يمزج فيها القواعد القانونية بالأهداف السياسية، أبلغهم أن قانون الانتظام لا يمكن أن يقرّ قبل بضعة أشهر تصل إلى 9. هكذا وجد سلام نفسه أمام الحلّ الميقاتي: أي توقيع الاتفاق ولاحقاً إقرار القانون في مجلس النواب.

رغم كل هذا الثناء الذي لقيه رئيس الحكومة نواف سلام ووزير المال ياسين جابر على إمساكهما بمقاربة «صندوقية» للموازنة والأزمة المصرفية، لم يتمكن الصندوق من إخفاء بعض الانتقادات التي وردت بشكل شبه صريح. فقد ورد في البيان الختامي نقلاً عن مسؤول بعثة لبنان راميريز ريغو: «إن زيادة ضريبة القيمة المضافة التي وافق عليها مجلس الوزراء إلى 12%، والتي كان مُخططاً لها أصلاً لتمويل زيادة الأجور والمعاشات التقاعدية في القطاع العام المقرة في شباط/فبراير 2026، لم يُشرَع في تنفيذها بعد، حيث تضيف التكاليف المرتبطة بها ضغوط إنفاق كبيرة في المستقبل. وقد شجع الخبراء السلطات على متابعة التشريع لإقرار هذه الزيادة». ولم يكتف بذلك، بل أشار مباشرة إلى الديون التي لا يسجّلها لبنان في الموازنة: «فضلاً عن تسجيل كل الإنفاق المموّل من الخارج بشكل شامل في موازنة 2027». أيضاً، نقل البيان تحذيراً من خبراء الصندوق مفاده ألا تقوم الحكومة بمزيد من تعديلات الرواتب والمعاشات المرتجلة من دون تدابير إيرادات تعويضية.

إذاً، الكلام واضح: على مجلس النواب أن يزيد ضريبة القيمة المضافة وإلا. وعلى جابر أن يضمن موازنة الديون. ففي اللقاءات، قال ممثلو الصندوق للمسؤولين اللبنانيين، إن أي إنفاق على إعادة الإعمار، يعني المزيد من الديون التي يجب ألا تبقى خارج الموازنة. كذلك أوضحوا أن هذا الأمر يجب أن يكون ضمن الإطار المالي المتوسط الأجل لتحديد الدين العام وخدمته. إذاً لا يجوز أن يوقع لبنان اتفاقاً على مستوى الموظفين بينما لديه ديون مخفية! عملياً، هو يمنحهم مهلة من أجل تصحيح الوضع. هي مهلة سياسية، لكنها خطوة ضرورية تسبق توقع أي اتفاق.

Leave A Reply

Your email address will not be published.