رواتب أعلى ضرائب أكثر… والمواطن يدفع
المتقاعدون والعسكريون على أهبة الاستعداد لمعاودة النزول إلى الشارع والتصعيد لزيادة رواتبهم إلى ما كانت عليه في العام 2019. رابطة موظفي الإدارة العامة، هي أيضاً على أهبة الاستعداد للعودة إلى الإضرابات. أما الدولة فتهدّئ النفوس في إطلاق الوعود في زمن الحروب والتضخّم ولكن على حساب من؟ وما الخيارات المتاحة لزيادة العائدات تلبية لتلك المطالب؟
رغم القوانين الإصلاحية التي تعمل عليها الحكومة تلبية لمتطلبات صندوق النقد الدولي، فهي لا تزال عاجزة عن وضع خطة اقتصادية ومالية تعيد تأهيل جسم القطاع العام وتزيد إنتاجيته من خلال تنظيمه وملء الفراغات في المؤسسات العامة التي تبلغ نحو 75%.
في ظلّ هذا التقاعس الذي لا يأتي على قدر الطموحات، تفي الحكومة بوعودها معتمدة على الحلّ الأسرع لتحصيل الواردات وهو زيادة الـ1% على الضريبة على القيمة المضافة التي ستدرّ نحو 150 مليون دولار للخزينة. فهذه الضريبة تحور وتدور الحكومة لإقرارها عدا زيادة الرسوم على البنزين.
وعلمت “نداء الوطن” من مصادر مطّلعة أن “الحكومة لا يمكنها تصحيح الرواتب وزيادتها إلى نسبة 50% مما كانت عليه في 2019 من دون تأمين التمويل والذي سيكون عبر الرسوم والضرائب”.
لذلك إذا استمر الضغط في الشارع واضطرت الحكومة الاستجابة إلى مطالب المتقاعدين وموظفي الإدارات العامة وفاءً لالتزاماتها وحقّقت جولة جديدة من الزيادة للرواتب، سنشهد وفقاً للمصادر “زيادة الـTVA بنسبة 1% ورسم إضافي على المحروقات المشتعلة أصلاً والتي تكوي جيوب اللبنانيين. وإذا لم تقدم على تلك الخطوة يترتّب عليها البحث بصورة جدية في فتح ملفات كل عمليات التهرّب من الضريبة خاصة ضريبة الأرباح على الشركات وعلى شركات كبار المكلفين”.
الانفاق على الرواتب
في مشروع قانون موازنة 2027، أكثر من نصف الإنفاق العام مخصص للرواتب والأجور والمنافع الاجتماعية. فبحسب أرقام مشروع الموازنة، تستحوذ هذه البنود على نحو 53.5% من إجمالي الإنفاق، في وقت تستعد فيه الدولة لمزيد من الزيادات في رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين، ما يعني ارتفاع كلفة الأجور على الخزينة.
لكن زيادة الإنفاق على الرواتب لا تأتي من فراغ، إذ تراهن الموازنة في جانب كبير منها على نمو الإيرادات الضريبية، التي ترتفع بنحو 20.2% مقارنة بموازنة 2026، مع اعتماد لافت على الضرائب والرسوم غير المباشرة.
معادلة متناقضة
وبذلك، يجد المواطن نفسه أمام معادلة قد تبدو متناقضة: زيادة في الرواتب من جهة، وزيادة في الضرائب والرسوم من جهة أخرى. وبذلك تتحوّل الزيادات المحقّة التي يفترض أن تعيد بعضًا من القدرة الشرائية للموظفين والمتقاعدين إلى أعباء إضافية على المستهلك، بسبب ارتفاع كلفة الضرائب والرسوم وأسعار السلع.
فمخصصات الرواتب والأجور والمنافع الاجتماعية في مشروع موازنة لبنان لعام 2027 بلغت نحو 329.2 تريليون ليرة، أي ما يعادل تقريباً 3.679 مليارات دولار، وهو ما يشكل نحو 53.5% من إجمالي النفقات العامة للدولة والبالغة 6.99 مليارات دولار.
يأتي ذلك في موازنة 2027 مقابل أقل من 11% للاستثمار، فيما تبقى الإصلاحات البنيوية الكبرى، مثل إعادة هيكلة القطاع المصرفي ومعالجة الدين العام، خارج صلب المشروع. ولا يقدم المشروع إصلاحاً جذرياً لبنية الرواتب والتعويضات، بل يتعامل معها باعتبارها التزامات إنفاقية قائمة.
بالمقارنة مع العام 2026، تمّ تخصيص أكثر من 55% من إجمالي الإنفاق للرواتب والمنافع الاجتماعية. وأقرّ مجلس النواب خلال تموز 2026 اعتماداً إضافياً بقيمة 56.5 ألف مليار ليرة (حوالي 631 مليون دولار) لتمويل ستة رواتب إضافية لموظفي القطاع العام والعسكريين والمتقاعدين، بأثر رجعي من آذار. وهذا يعني أن الكلفة الفعلية للأجور والتقاعد تجاوزت ما كان مرصوداً أصلاً، في نمط متكرّر يضعف موثوقية التقديرات في الموازنات اللبنانية. وتالياً، تبقى حصة الأجور والمنافع الاجتماعية شبه ثابتة بنيوياً بين السنتين وفوق النصف، ما يجعل الحديث عن “ضبط الإنفاق” متعلقاً بهامش محدود من الموازنة، لا بتغيير بنيتها وأهدافها.
موازنة لا تواجه الواقع
في هذا السياق يعتبر أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية جاسم عجاقة أن “موازنة 2027 لا يمكنها مواجهة الواقع الاقتصادي في البلاد إذا استمر ارتفاع سعر النفط وبذلك “ستنهار” وستكون غير قادرة على سدّ العجز الذي سيسجّل في الموازنة. فالإيرادات في الموازنة تقوم على الضرائب وفي ظلّ التضخّم المتزايد كيف سيتم “تسكير” العجز ليبقى صفر خصوصاً إذا ما تمّ إقرار زيادة للرواتب والأجور للقطاع العام والمتقاعدين. صحيح أن الموازنة في وضعنا الراهن ليست إصلاحية إلا أنها أفضل الممكن وهي غير قادرة على مواجهة الواقع الحالي”، علماً أنها لا تلحظ حتى الدين المترتب على الدولة اللبنانية ولا كلفة الدين في الموازنة المقبلة ستتضمن التزامات الدين. .
وبالعودة الى الزيادة الموعودة للمتقاعدين الذين صعدوا من الشارع وموظفي القطاع القطاع العام، ستكون بنسبة 50% كما أوضح المصدر المطلّع نفسه، ورغم ذلك والأعباء التي ستسببها على الخزينة، إلا أنها لن تصل إلى مستوى رواتب العام 2019 التي لم تعد صالحة في وضعنا الراهن بسبب تحليق التضخّم عالياً وترجيح ارتفاعه بنسبة 25% خلال العام الجاري ولكن ستصبح قيمة الرواتب مقبولة.
إطار مالي للموازنة
لذلك إنّ وزارة المال تعدّ خطة لإعادة تأهيل القطاع العام وتصوّر إطار مالي للموازنة بالتعاون مع صندوق النقد يسمى MTFF أي Medium-term Fiscal Framework وهو مشروع يوفّر وسيلة تغطية نفقات الموازنة في حال لم تكن الموازنة متوازنة.
وبانتظار انتهاء هذا التصوّر سنبقى في دوامة الأزمة المالية نفسها وفي الاستسهال في زيادة الواردات من جيوب المواطنين من دون خطة إصلاحية شاملة.