لهيب المولّدات يكوي المشتركين 

جولة واحدة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو حديث قصير مع أي مواطن، يكفيان لكشف حجم جنون فواتير المولدات في آب. آلاف الدولارات تُدفع لقاء كهرباء خاصة لم تعد بديلاً مؤقتاً من الدولة، لأن لا كهرباء دولة أساساً، وحتى إن حضرت لساعات محدودة جداً، فهي لا تفي بأي غرض فعلي، لا بالنسبة إلى منزل يحتاج إلى تبريد وتشغيل الأجهزة الأساسية، ولا بالنسبة إلى محل أو مطعم أو أي مصلحة يفترض أن تعمل طوال النهار. لذلك، لم يعد الاشتراك بالمولد خياراً يمكن الاستغناء عنه حتى مع ارتفاع كلفته، بل صار عملياً المصدر الأساسي للكهرباء. ولسان حال أصحاب المولدات: «إن كنت قادراً على الاستغناء عنّا، فلتفعل».

تأتي فاتورة مولدات الكهرباء هذا الصيف في وقت تكافح فيه أصلاً مؤسسات كثيرة للحفاظ على الحد الأدنى من قدرتها على الاستمرار، خصوصاً في ظل الوضع الاقتصادي الراهن وتداعيات الحرب. واللافت أنّه في حالات باتت الكهرباء الخاصة وحدها توازي قيمة الإيجار أو تكاد تتجاوزها، ما يعني أن صاحب المصلحة بات يدفع عملياً «إيجاراً ثانياً» فقط ليتمكن من إبقاء محله مفتوحاً، وذلك حتى ينقطع «نفسه» ويقرر الاستسلام أمام الواقع.

وكانت وزارة الطاقة قد حدّدت لأصحاب المولدات سعر الكيلوواط عن شهر آب بـ48,241 ليرة للمشتركين في المدن والتجمعات المكتظة والمناطق الواقعة تحت ارتفاع 700 متر، وبـ53,065 ليرة في القرى والمناطق المتباعدة أو الواقعة فوق 700 متر. وحدّدت الشطر الثابت بـ385 ألف ليرة لـ5 أمبير و685 ألف ليرة لـ10 أمبيرات، مع إضافة 300 ألف ليرة عن كل 5 أمبير إضافية. وتقول الوزارة، صراحة، إن هذه التعرفة لا تغطي المازوت فقط، بل تحتسب «كافة مصاريف وفوائد وأكلاف المولدات بالإضافة إلى هامش ربح جيد لأصحابها»، بما في ذلك الزيوت والفلاتر واهتلاك المولد وكلفة توزيع المازوت. كما تحظر إضافة رسوم للصيانة أو الشبكات أو غيرها، وتطلب من وزارتي الاقتصاد والداخلية تشديد الرقابة واتخاذ الإجراءات بحق المخالفين.

لكنْ بين «المبدأ» والفاتورة التي تصل إلى المنازل وأصحاب المصالح، فرق شاسع. فعلى سبيل المثال، لا تحتاج صاحبة أحد المحال في سوق معوض إلى شرح طويل لتختصر حجم الأزمة. فقد بلغ إيجار محلها نحو 1200 دولار شهرياً، وفاتورة المولد عن آب قاربت الألف دولار. أي إنّ الكهرباء وحدها باتت توازي تقريباً قيمة الإيجار.

لكن قصة الفاتورة لا تبدأ من آب. ففي حزيران، حدّدت وزارة الطاقة التسعيرة الرسمية بـ41,973 ليرة للكيلوواط، أي ما يعادل نحو 47 سنتاً وفق سعر الصرف المعتمد. في المقابل، تقول صاحبة المحل إن فاتورتها احتُسبت فعلياً على أساس 70 سنتاً للكيلوواط، أي أعلى بنحو 50% من التسعيرة الرسمية. تسلّمت عبر «واتساب» فاتورة بقيمة 557 دولاراً ودفعتها، قبل أن تحصل لاحقاً على فاتورة ورقية بمبلغ أقل بنحو 189 دولاراً، بعدما احتُسب فيها سعر الكيلوواط بنحو 42 ألف ليرة. وتقول إن الفاتورة الثانية هي التي كانت موجودة في المحل عندما كشفت البلدية على الفواتير، ما دفعها إلى إبلاغ بلدية الشياح بأن المبلغ الذي دفعته فعلياً مختلف عن ذلك المثبت على الورقة. وفي تموز، وبعد اعتراضات حصلت مع المشتركين، تقول إن الفاتورة عادت إلى التسعيرة الرسمية وبلغت أكثر من 600 دولار.

يومها، كان المحل يعمل بصورة طبيعية والتكييف يعمل لساعات طويلة. أما في آب، ومع تراجع الحركة، فقررت تخفيف الاستهلاك، وقلّصت تشغيل المكيف، وهو من أكثر الأجهزة استهلاكاً، إلى ساعتين أو ثلاث تقريباً في اليوم. وهنا تحديداً كانت تنتظر أن تنخفض الفاتورة، لكن حصل العكس. فقد اقتربت الفاتورة من ألف دولار، بعدما سجّل العداد استهلاكاً يقارب 1700 كيلوواط ساعة. صحيح أنّه لا يمكن اتهام صاحب المولد بالتلاعب بالعداد استناداً إلى ذلك وحده، ولا يمكن إثبات خلل فيه من دون فحص تقني، لكن السؤال يبقى مشروعاً: كيف ينخفض تشغيل الأجهزة الأكثر استهلاكاً فيما يرتفع الاستهلاك المسجّل إلى هذا الحد؟ ومن يراقب، أصلاً، دقّة هذه العدادات وسلامة قراءاتها؟

الحالة السابقة ليست استثنائية. فاتورة أخرى تعود إلى مطعم ومحل حلويات في الضاحية وصلت إلى 11,240 دولاراً في شهر واحد، بعدما كانت في الشهر السابق بحدود 7 آلاف دولار. أي إن كلفة الكهرباء قفزت بأكثر من 4 آلاف دولار خلال شهر واحد. لكن خلف الرقم مشكلة أخرى. يقول صاحب المحلين لـ «الأخبار»، إن الفاتورة احتُسبت في البداية على أساس 75 سنتاً للكيلوواط، قبل أن يعترض على السعر ويتواصل مع صاحب المولد، ليجري خفضه لاحقاً إلى 55 سنتاً. وبالمقارنة مع تسعيرة وزارة الطاقة للمناطق تحت 700 متر، والبالغة في آب نحو 53.8 سنتاً للكيلوواط وفق سعر الصرف الذي اعتمدته الوزارة، فإن سعر الـ75 سنتاً كان أعلى من التسعيرة الرسمية بنحو 40%.

أما التبرير الذي نُقل إليه من صاحب المولد، فهو أنّه لا يحصل على كامل حاجته من المازوت بالسعر الرسمي ويضطر إلى تأمين كميات إضافية بسعر أعلى. وهنا تتناقض هذه الرواية عملياً مع ما تقوله وزارة الطاقة عن أن التسعيرة تحتسب كلفة المازوت ومختلف أكلاف التشغيل. فأين الحقيقة بين الروايتين؟ والأكثر إثارة للاستغراب أن صاحب المولد وافق، بعد الاعتراض، على خفض السعر من 75 إلى 55 سنتاً. وإذا كان الـ75 سنتاً يعكس فعلاً كلفة تشغيل لا يستطيع النزول دونها، فكيف أصبح الـ55 سنتاً ممكناً بمجرد الاعتراض؟

من الصعب افتراض أن صاحب المولد قرر ببساطة تحمّل الفارق من جيبه لأنها «معجزة» يصعب حصولها في لبنان، كما أنّه من الصعب تفسير التراجع بالخوف من العقوبة وحده إذا كانت كلفة المخالفة، في نهاية المطاف، أقل من خسائر تشغيل متكررة يدّعي أنه يتحملها.
إلا أنّ الرقم، في كل الأحوال، يبقى صادماً. فقطاع المطاعم والحلويات لا يستطيع أساساً خفض استهلاكه كما يشاء. المطعم لا يستطيع إطفاء البرادات والفريزرات، أو الاستغناء عن الشفاطات والتهوئة والتكييف، ثم انتظار ساعات كهرباء الدولة القليلة ليعيد تشغيلها. الكهرباء هنا ليست رفاهية ولا بنداً قابلاً للتوفير، بل شرط لاستمرار العمل وحفظ البضاعة.

لكن الضغط لا يتوقف عند أصحاب المصالح. فعند الانتقال إلى المنازل، تظهر المشكلة نفسها بأرقام أقل من المطاعم والمحال الكبرى، لكنها ثقيلة جداً على دخل الأسر. في إحدى فواتير آب المنزلية، بلغت قيمة الاشتراك 23 مليوناً و841 ألف ليرة، أي نحو 265 دولاراً، مقابل استهلاك 357 كيلوواط ساعة واشتراك بقدرة 10 أمبيرات. واللافت في هذه الفاتورة أن سعر الكيلوواط المحتسب بلغ 63 ألف ليرة، أي أعلى بنحو 31% من التسعيرة الرسمية.

وهكذا، فحتى داخل المنزل، يمكن أن تصل فاتورة الكهرباء الخاصة إلى مئات الدولارات شهرياً. وفي حالة أخرى، يقول أحد المواطنين إن فاتورة المولد في منزله بلغت نحو 350 دولاراً، فيما وصلت في محله التجاري إلى نحو ألف دولار. بالنسبة إليه، صار وجود الطاقة الشمسية أو السماح بتركيبها عاملاً أساسياً في تقييم كلفة استئجار أي محل، لأن غياب البديل يعني ببساطة إضافة آلاف الدولارات سنوياً إلى كلفة التشغيل. ففاتورة بألف دولار شهرياً تعني 12 ألف دولار سنوياً للكهرباء وحدها، قبل دفع دولار واحد كإيجار أو راتب أو ثمن بضاعة. وهكذا، تصبح «فواتير الاشتراك» الطريق الأقصر نحو إفلاس المصالح تباعاً.

الفواتير الهائلة ليست دائماً نتيجة الاستهلاك وحده. فبين 63 ألف ليرة للكيلوواط في فاتورة منزلية، و70 سنتاً في محلّ، و75 سنتاً في حالة أخرى، وصولاً إلى شكاوى عن أسعار تقارب الدولار للكيلوواط، يصبح الفرق مع التسعيرة الرسمية كبيراً جداً. وإذا كان السعر الرسمي في آب يقارب 54 سنتاً في المدن، فإن الوصول إلى دولار يعني سعراً أعلى بنحو 86%، أي قريباً من ضعف ما حددته الدولة.
وهنا تصبح عبارة وزارة الطاقة عن احتساب «هامش ربح جيد» لأصحاب المولدات أكثر أهمية، ويصبح السؤال المشروع: ما الذي يبرر تجاوز التسعيرة أصلاً؟ وأين الرقابة التي يفترض أن تحولها من رقم يصدر في نهاية كل شهر إلى رقم يُطبق فعلياً على الفواتير؟ فبضعة محاضر ضبط لن تغير من الواقع شيئاً، ولن تخيف أو تردع من يجني آلاف الدولارات ويتحكم في السوق كما يحلو له.

وقبل كل ذلك، لا بد من التوقف عند السؤال الأهم الذي يعني المواطن بالدرجة الأولى. من سيتحمل الكلفة الإضافية في حالة المصالح؟ فألف دولار إضافية للكهرباء يجب أن تأتي من مكان ما، إما من هامش الربح، أو من جيب الزبون عبر رفع الأسعار وإما من خفض التشغيل والعمالة. لكنْ لكل واحد من هذه الخيارات سقف.

أما بالنسبة إلى الأسر، فالمعادلة واضحة ومؤلمة في آن معاً، كل مئة أو مئتي دولار إضافية للكهرباء هي مئة أو مئتا دولار أقل للطعام أو التعليم أو الطبابة أو الإيجار وسائر النفقات الأساسية. هكذا يصبح البقاء، مجدداً، لمن يصنّفون «أقوى» وأكثر ثراء.

Leave A Reply

Your email address will not be published.