خارطة تعافٍ بلا ترقيع: ودائع اللبنانيين بين «دوامة» الخسائر ورهان العدالة والسيادة
في وقت تطول فيه أمد الأزمة المالية والمصرفية اللبنانية دون أفق حاسم، وتتجاذب فيه القوى السياسية والمالية صيغ القوانين وتوزيع الخسائر، تزداد الضبابية حول المصير الفعلي للودائع وكيفية الخروج من نفق الفجوة المالية التاريخية التي عطلت المفاصل الاقتصادية للبلاد. كما وتتجه الأنظار نحو تحديد مكمن المسؤولية الحقيقية عن هدر الأموال وتراكم الفجوة، وكيفية توزيع الخسائر.استثمار في لبنان
فبين مشاريع قوانين الانتظام المالي المسدودة الأفق، واقتراحات إعادة هيكلة القطاع المصرفي، والمساومات القائمة حول إنشاء الصناديق السيادية والاستثمارية لإدارة الأصول، تتكشف عمق الفجوة بين التشريعات المطروحة والواقع الاقتصادي المعاش. وأمام هذا الانسداد المستمر، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا وحضورا: كيف يمكن صياغة خطة تعاف مالي عادل، واقعي، وعملي يقطع نهائيا مع منطق الترقيع، ويضع حدّا لسياسة المحاسبة الصورية وتأجيل الأزمات وتغييب حقوق المودعين؟
توزيع الخسائر: المودع خط الدفاع الأخير
من هذا المنطلق، يقول الخبير الاقتصادي والمالي والسياسي وليد أبو سليمان لصحيفة «اللواء» إن «مسؤولية هدر الودائع وتراكم الفجوة لا يمكن اختزالها بطرف واحد، لكن ترتيب المسؤوليات يجب أن يكون واضحا. الفجوة المالية نشأت نتيجة تفاعل بين سياسة مالية عامة غير مستدامة، وسياسات نقدية ومصرفية راكمت المخاطر، وممارسات مصرفية وإدارة مخاطر غير سليمة، إضافة إلى تأخر السلطات في الاعتراف بالخسائر ومعالجتها».سياسة
ويتابع: «أما على الصعيد الاقتصادي والقانوني، فلا يجوز أن يبدأ الحل من المودع. المبدأ السليم في توزيع الخسائر هو تحمل رأس المال والمساهمين والدائنين الأدنى مرتبة للخسائر قبل تحميل المودعين أي خسارة، مع مراعاة وضع مصرف لبنان والدولة وقدرتهما الفعلية على المساهمة. وهذا يتوافق أيضا مع المبدأ الذي شدد عليه صندوق النقد الدولي: عدم تحميل المودعين الخسائر قبل استنفاد قدرة المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة على تحمّلها. أما الدولة، فلا يمكن إعفاؤها بالكامل من المسؤولية، ولا يمكن في المقابل تحميل ميزانيتها كامل الفجوة بصورة فورية، لأن ذلك يعني عمليا تحويل خسائر القطاع المالي إلى دين عام جديد، في وقت يعاني فيه لبنان أصلا من عدم استدامة الدين العام».بناء على ذلك، يوضح أبو سليمان أن «المعادلة الصحيحة ليست: الدولة أم المصارف أم المودع؛ بل تحديد الخسائر أولا، ثم توزيعها وفق ترتيب قانوني واقتصادي واضح، وبناء على القدرة الفعلية لكل طرف على التحمّل. والمودع يجب أن يكون في نهاية سلسلة تحمّل الخسائر، لا في بدايتها».مؤتمرات سياسية
الانتظام المالي: واقعية التمويل قبل وهم القانون
وفيما يخص صعوبة تطبيق وتعثر مشروع قانون الانتظام المالي، يوضح أبو سليمان أن «المشكلة الأساسية ليست في وجود قانون، بل في أن القانون يجب أن يحوّل فجوة محاسبية ضخمة إلى التزامات قابلة للدفع فعليا. وهذا يتطلب أولا تحديد الحجم النهائي للفجوة وقيمة أصول مصرف لبنان والمصارف بعد إعادة التقييم، ثم تحديد مصادر التمويل وجدول الدفع. كما أنه هنالك خمس عقد جوهرية، تتمثل أولا، بتحديد الخسائر والمسؤوليات، أي أنه لا يمكن توزيع الخسائر قبل إجراء تقييم مستقل وشفاف للأصول والالتزامات، وتحديد ما هو قابل للتحصيل وما هو غير قابل للتحصيل. ثانيا، بترتيب تحمّل الخسائر ما يعني أن أي مسّ بالودائع قبل استنفاد رساميل المصارف وحقوق المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة يخلق مشكلة قانونية واقتصادية، فضلا عن أنه يتعارض مع مبدأ تسلسل المطالبات الذي يشدد عليه صندوق النقد».
ويتابع: «ثالثا، بقدرة مصرف لبنان والمصارف على التمويل. فالوعد بإعادة الودائع لا يصبح خطة مالية لمجرد إدراجه في القانون. يجب أن تكون وراء كل التزام أصول أو تدفقات نقدية قابلة للتحقق. رابعا، بمساهمة الدولة، لأنها مطالبة بالمساهمة حيث تثبت مسؤوليتها أو قدرتها، لكن مساهمتها يجب ألا تعيد إنتاج أزمة الدين العام. صندوق النقد شدّد تحديدا على ضرورة أن تكون مساهمة الدولة منسقة مع استدامة الدين العام. خامسا، العلاقة بين قانون إعادة هيكلة المصارف وقانون الانتظام المالي. هذان القانونان مترابطان؛ فإعادة هيكلة المصارف لا يمكن أن تكتمل من دون حسم مصير الودائع ومصادر تغطية الخسائر. وهذا ما أكدته لجنة المال والموازنة نفسها عند ربط نفاذ أجزاء أساسية من قانون إعادة هيكلة المصارف بقانون استرداد الودائع. وبالتالي، وصف الصيغة بأنها مستحيلة التطبيق يكون دقيقا إذا كان المقصود صيغة لا تربط الاستحقاقات بمصادر تمويل حقيقية وقابلة للقياس. أما تعديلها على أساس أرقام واقعية وجدول زمني قابل للتنفيذ، فهو ممكن».استثمار في لبنان
الصندوق الوطني: وعاء حوكمة لا مفرّ خسائر
وأمام كل تلك المعطيات، يشرح أبو سليمان أن «إنشاء الصندوق الوطني بحد ذاته ليس حلا ماليا. الصندوق هو وعاء قانوني ومحاسبي، والسؤال الحقيقي هو: ماذا سنضع داخله، وما هي التدفقات التي ستغذّيه؟».
ويتابع: «من الممكن أن يكون الصندوق جزءا من الحل إذا توافرت له ثلاثة شروط، بدءا من أصول أو إيرادات محددة وقابلة للتحقق، وليس مجرد أصول افتراضية أو وعود مستقبلية، مرورا بالحوكمة المستقلة والشفافة مع تدقيق خارجي ونشر دوري للميزانية والتدفقات والموجودات. وصولا إلأى حظر استخدامه كأداة لإخفاء الخسائر أو نقلها من ميزانية إلى أخرى».
اكتشاف المزيد
مجلة اللواء الأسبوعية
اشتراك صحيفة رقمي
إرهاب
ويضيف: «أما الملكيات العامة، فلا أرى أن بيعها يجب أن يكون شرطا مسبقا لاسترداد الودائع. يمكن، بدلا من البيع، استخدام بعض الأصول العامة المدرّة للدخل ضمن هيكل يخصص جزءا من عوائدها لخدمة التزامات محددة، مع الحفاظ على الملكية العامة. وبالنسبة إلى الذهب، يجب التفريق بين تسييل الذهب واحتسابه كجزء من قوة المركز المالي للدولة. بيع الذهب بصورة مباشرة لتغطية فجوة مالية متراكمة ليس حلا مستداما، ولا ينبغي أن يكون الخيار الأول. فالذهب أصل استراتيجي وسيادي، وأي استخدام له يجب أن يخضع لتشريع واضح، وتقييم مستقل، وموافقة مؤسساتية، مع الحفاظ على جزء كاف منه كاحتياطي استراتيجي. لذلك، الصندوق الوطني يمكن أن يكون آلية لإدارة أصول وإيرادات مخصصة للودائع، وليس صندوقا لتمرير الخسائر إلى الدولة أو إلى الأجيال المقبلة».
مشروعية المصدر: شرط الأهلية قبل جدول التسديد
وعن كيفية التوفيق بين جدولة التسديد، وبين معيار مشروعية مصدر الأموال، يشدّد أبو سليمان على أنه «يجب عدم الخلط بين أولوية التسديد ومشروعية الوديعة. لأنهما معياران مختلفان. فسقف الـ100 ألف دولار يمكن أن يكون أداة اجتماعية ومالية لحماية صغار المودعين وتسريع إعادة السيولة إلى الاقتصاد. وقد اقترحت الصيغة الحكومية الأصلية تسديد الودائع حتى هذا السقف على مراحل، بينما يحصل أصحاب الودائع الأكبر على الجزء الأول نقدا والباقي عبر أدوات مالية مدعومة بأصول. لكن هذا لا يعني أن كل وديعة، بصرف النظر عن مصدرها، تتمتع بالحماية نفسها».
ويتابع: «القاعدة الأكثر عدالة هي اعتماد اختبارين متوازيين: حجم الوديعة لتحديد أولوية وجدول التسديد ومشروعية مصدر الأموال وسلامة حركة الحساب لتحديد أهلية الوديعة للاستفادة من آلية الاسترداد. وبالتالي، لا ينبغي استخدام معيار «مصدر الأموال» لإعادة توزيع الخسائر عشوائيا، بل لتدقيق الحالات التي توجد بشأنها مؤشرات جدّية على تحويلات غير مشروعة، أو غسل أموال، أو تحويلات تفضيلية، أو استفادة غير مشروعة من المرحلة السابقة للأزمة. كما يجب أن يكون هذا التدقيق قائما على معايير موحدة وحق في الاعتراض والمراجعة القضائية، لا على قرارات إدارية انتقائية. والمشروع الحكومي نفسه اتجه إلى توسيع نطاق التدقيق ليشمل مسؤولين وقيادات مصرفية والتحويلات ذات الصلة، مع الحفاظ على التدقيق الجنائي واسترداد بعض الأرباح والمكافآت غير المبررة».
إصلاح الاقتصاد: استعادة الثقة قبل ضخ السيولة
وعن إذا كان من الممكن تحقيق تعافٍ مالي حقيقي في ظل غياب الإرادة السياسية والعدالة القضائية، يقول أبو سليمان إنه «يمكن إصدار القوانين، وإعادة هيكلة المصارف، وتغيير قواعد المحاسبة، وحتى إعادة فتح بعض الحسابات، لكن لا يمكن بناء تعاف مالي مستدام من دون مؤسسات قادرة على تطبيق القانون بصورة متساوية. فالأزمة اللبنانية ليست أزمة سيولة فقط، إنها أزمة ملاءة وثقة وحوكمة. ولذلك فإن أي خطة لا تعالج المسؤوليات، واستقلال القضاء، والشفافية، واسترداد الأموال أو الأرباح غير المشروعة، وإصلاح المالية العامة، وحوكمة مصرف لبنان والقطاع المصرفي، ستبقى معالجة جزئية».سياسة
ويتابع: «هنا تكمن خطورة «المحاسبة الصورية»: أن تتحوّل المحاسبة إلى تدقيقات وتقارير وقوانين من دون نتائج قضائية ومالية فعلية. صندوق النقد نفسه خلص في تشخيصه للحوكمة في لبنان إلى أن ضعف سيادة القانون، وتجزؤ الرقابة، والثغرات المؤسساتية ومواطن الضعف في مكافحة الفساد تشكل عوائق أساسية أمام التعافي الاقتصادي والنمو الشامل».
لذا، يشدّد على أنه «لا يوافق القول بإنه علينا انتظار الاستقرار السياسي الكامل قبل البدء بالإصلاح. الإصلاح المالي يجب أن يسبق الاستقرار الكامل ويساهم في إنتاجه، لكن لا يمكن أن ينجح في ظل تعطيل سياسي وقضائي مستمر. والمطلوب اليوم هو اتباع مساران متوازيان: إصلاح مالي ومصرفي فوري وقابل للتنفيذ، وإصلاح مؤسساتي وقضائي يضمن عدم إعادة إنتاج الأزمة».
وفي المحصلة، يختم: «استرداد الودائع ليس عملية دفع نقدي فحسب، إنه إعادة بناء للثقة في الدولة والمصرف والقانون. وإذا لم تستعد هذه الثقة، فإن أي أموال تدفع اليوم يمكن أن تتحوّل إلى أزمة جديدة غدا».استثمار في لبنان