التمديد لـ”سوليدير”: الانتقال من إدارة العقارات إلى خلق قيمة اقتصادية

لا شك في أنّ النقاش حول تمديد مهلة شركة «سوليدير» يجب ألّا يُختصر بسؤال تقني حول عدد السنوات، ولا أن يتحوَّل إلى مواجهة بين مؤيّد للتمديد ومعارض له. فالمسألة أعمق، لأنّها تتعلّق بمستقبل وسط بيروت، وبإدارة أحد أهم الأصول العقارية والاقتصادية والسياحية في لبنان، وبكيفية تحقيق توازن بين مصلحة الشركة والمساهمين وحقوق الدولة والمصلحة العامة. اقتناءالخرائط والأطلس الجغرافي

من هنا، فإنّ التمديد التلقائي لمدة 25 عاماً دفعة واحدة، قد لا يكون الخيار الإقتصادي الأمثل. وفي المقابل، فإنّ غياب رؤية طويلة الأجل قد يُضعف قدرة «سوليدير» على التخطيط والاستثمار واستقطاب الرساميل. المطلوب إذاً، صيغة تضمن الاستقرار الاستثماري من دون أن تتخلّى الدولة عن حقها في التقييم والمساءلة.

ويُمكن اعتماد تمديد مرحلي ومشروط، يبدأ مثلاً بمرحلة أولى تُقارب 8 سنوات، تليها مرحلة إضافية قد تصل إلى 6 سنوات، مرتبطة بتحقيق أهداف ومؤشّرات أداء محدَّدة مسبقاً.

ويجب ألّا تتحوّل هذه المرحلة إلى عامل عدم يقين للمستثمرين، بل ينبغي أن تكون شروط الانتقال من مرحلة إلى أخرى واضحة وشفافة وقابلة للقياس منذ البداية، فيُصبح التمديد اللاحق نتيجة طبيعية لتحقيق الالتزامات بعيداً من المفاوضات المتكرّرة والتجاذبات السياسية.

بهذه الصيغة تحصل الشركة على الإستقرار الضروري للتخطيط، فيما تحتفظ الدولة بقدرتها على التقييم وحماية المصلحة العامة.

ولا يُمكن مناقشة مستقبل «سوليدير» من دون تدقيق شامل وشفاف في أصولها وعقاراتها غير المستغَلة وإيراداتها والتزاماتها، بالتوازي مع مراجعة الامتيازات والإعفاءات والإطار الضريبي الذي حكم عملها.

والهدف ليس معاقبة الشركة، بل تحديد الواقع الاقتصادي ووضع خريطة طريق للمرحلة المقبلة. فكل عقار غير مستثمر، وكل مساحة تجارية مقفلة أو غير ناشطة في وسط العاصمة، يُمثل فرصة اقتصادية ضائعة: استثمارات أقل، فرص عمل أقل، حركة سياحية وتجارية أضعف وإيرادات أقل للدولة.

المطلوب الانتقال من مجرّد إدارة العقارات إلى خلق القيمة الاقتصادية، عبر جذب المؤسسات والشركات والمتاجر والمطاعم والفنادق والسكان والزوار مجدّداً إلى قلب العاصمة.

وإذا كان التمديد سيمنح «سوليدير» حقوقاً وامتيازات إضافية، فمن الطبيعي أن يقابله إلتزام استثماري وتنموي واضح. ويُمكن ربط التمديد بحزمة مشاريع محدّدة في البنية التحتية والمساحات العامة والمشاريع الثقافية والتراثية، بالإضافة إلى تطوير البيئة الحضرية وتحفيز عودة المؤسسات والأعمال إلى وسط بيروت.

ويجب تحديد حجم الاستثمارات والجداول الزمنية ومؤشرات الأداء ونسب الإنجاز، مع آليات متابعة مستقلة وشفافة وإجراءات واضحة في حال التأخير أو عدم التنفيذ. فالمعادلة يجب أن تكون بسيطة: حقوق إضافية مقابل التزامات إضافية، ومدة إضافية مقابل استثمارات ونتائج قابلة للقياس.

ويُمكن وضع أفضل الشروط وأكثرها تشدُّداً، لكنّ فعاليتها تبقى مرتبطة بقدرة الدولة على متابعة التنفيذ وفرض الالتزامات والمحاسبة.

بذلك، يجب أن ترافق أي صيغة جديدة، آلية حوكمة واضحة، مع تقارير دورية وشفافة حول الاستثمارات والمشاريع والإنجازات، فيصبح تقييم الأداء قائماً على النتائج والأرقام لا على الاعتبارات السياسية.

وفي المقابل، يجب تجنُّب تحويل الملف إلى فرصة لفرض ضرائب ورسوم عشوائية. فالهدف ليس إضعاف قدرة الشركة على الاستثمار، بل توسيع النشاط الاقتصادي. وكلّما عاد وسط بيروت إلى الحياة، توسّعت القاعدة الضريبية وارتفعت إيرادات الدولة بشكل أكثر إستدامة.

فالسؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: كم سنة سنمدّد لـ«سوليدير»؟ بل: ماذا نريد أن يصبح وسط بيروت خلال السنوات المقبلة؟

لبنان بحاجة إلى استعادة الاستثمارات والسياحة والشركات والرساميل والثقة، ووسط بيروت قادر إذا أُعيد إطلاقه ضمن رؤية جديدة ومتوازنة، على أن يكون أحد أهم رافعات التعافي الاقتصادي. اقتناءالخرائط والأطلس الجغرافي

لذلك، يجب ألّا يكون الهدف مجرّد تمديد عمر شركة، بل إطلاق شراكة اقتصادية وتنموية جديدة تعيد الحياة إلى قلب العاصمة.

في المحصّلة، إنّ النجاح لا يُقاس بعدد سنوات التمديد، بل بحجم الاستثمارات التي تمّ جذبها، وفرص العمل التي تمّ خلقها، والمساحات التي عادت إلى الحياة، والقيمة التي تحققت للمساهمين والدولة والمجتمع. فالمطلوب ليس فقط التمديد لـ«سوليدير»… إنما المطلوب إطلاق بيروت عاصمة الإشعاع والنور في المنطقة والعالم.

Leave A Reply

Your email address will not be published.